ليس التسليم أن ينسحب الإنسان من الحياة، ولا أن يتخلى عن عقله أو يترك الأسباب بحجة التوكل على الله. التسليم في جوهره حالة من الوعي الإيماني العميق، يصل إليها الإنسان بعد أن يبذل ما يستطيع، ويستفرغ وسعه، ثم يضع النتيجة بين يدي الله، مطمئنًا إلى أن ما يخفى عليه لا يخفى على الله، وأن محدودية رؤيته لا تعني غياب الحكمة في ما يجري حوله. ولعل صورة الطفل الذي يسير مع أبيه في طريق جبلي شديد الظلمة تختصر شيئًا من معنى التسليم. كان الطفل لا يرى الطريق، والريح من حوله تزيد خوفه واضطرابه، فتوقف عن السير. مدّ الأب يده إليه وقال له أن يمنحه يده. لم يتغير الظلام حين أمسك الطفل بيد أبيه، ولم تهدأ الريح، ولم تظهر معالم الطريق فجأة، لكن شيئًا أساسيًا تغير في داخله، فقد اختفى الخوف. لم يعد بحاجة إلى أن يرى الطريق كله، لأنه أصبح واثقًا بمن يرى الطريق. وهنا تكمن إحدى أعمق دلالات التسليم. إن العالم قد لا يتغير حين نسلّم أمرنا لله، لكن علاقتنا بالعالم هي التي تتغير. فالإنسان الذي يعيش قبل التسليم أسيرًا لما يراه ويتوقعه ويخطط له، يصبح بعد التسليم أكثر قدرة على مواجهة المجهول، لأنه لم يعد يستمد طمأنينته من امتلاك الإجابة، وإنما من ثقته بمن يملك الإجابة. وفي رأيي، فإن التسليم يمثل انتقالًا مهمًا من الإيمان التقليدي إلى الإيمان التحقيقي. ففي الإيمان التقليدي قد يطمئن الإنسان بما يراه أمامه، ويقيس قدرته على الثبات بمقدار وضوح النتائج ووجود الأسباب. أما الإيمان التحقيقي، فإن الطمأنينة فيه لا تأتي بالضرورة مما هو في يد الإنسان، وإنما مما هو في يد الله. ولهذا يستطيع الإنسان أن يبقى مطمئنًا حتى حين يتأخر الفرج، أو يغيب السبب، أو تأتي النتائج مخالفة لما كان يرجوه. إن الإيمان التقليدي قد يبحث عن الدليل لكي يطمئن، بينما الإيمان التحقيقي يطمئن إلى الله أولًا، ثم يرى في الأحداث ما يؤكد هذا اليقين أو يكتشف حكمته مع مرور الزمن. وليس معنى ذلك إلغاء العقل، بل الاعتراف بحدوده. فالعقل أداة عظيمة لفهم الحياة، لكنه لا يستطيع أن يحيط بكل أبعادها، ولا أن يرى الغيب الذي تتكشف بعض حكمه للإنسان بعد حين. ويأتي القرآن الكريم ليضع الإنسان أمام هذه الحقيقة بوضوح عميق، حين يقول تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فالآية لا تطلب من الإنسان أن يكره ما يحب أو يحب ما يكره، ولا تدعوه إلى تعطيل عقله أمام الأحداث، وإنما تذكره بحقيقة معرفية وروحية كبرى، وهي أن الإنسان لا يرى إلا جزءًا من الصورة، بينما العلم الإلهي محيط بما لا يحيط به علم الإنسان. وهذا المعنى يتجلى أيضًا في قوله تعالى على لسان مؤمن آل فرعون: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. والتفويض هنا ليس هروبًا من المسؤولية، وإنما هو انتقال بالمسؤولية من القلق على النتائج إلى الثقة بحكمة الله. فالإنسان مطالب بالسعي، وباختيار الطريق، وبالأخذ بالأسباب، لكنه ليس مطالبًا بأن يحمل على كتفيه ما يتجاوز قدرته، ولا أن يضمن نتائج لا يملكها. ومن هنا يمكن التمييز بين التوكل والرضا والتسليم. فالتوكل أن تبذل السبب وتستعين بالله. والرضا أن تقبل ما وقع بعد وقوعه، أما التسليم فهو أعمق من ذلك، لأنه ثقة بحكمة الله حتى قبل أن تنكشف للإنسان، بل حتى حين قد لا تنكشف له في حياته. وقد حملت قصة نبي الله موسى مع الخضر دلالة عميقة على حدود الرؤية الإنسانية. فقد رأى موسى أفعالًا لم يفهم حكمتها في ظاهرها، فكان اعتراضه نابعًا من المعرفة التي يملكها ومن موقعه الإنساني الذي يطلب تفسير الأشياء وفق ما يظهر له. ثم انكشفت له بعض وجوه الحكمة، ليدرك أن ظاهر الحدث ليس دائمًا هو كل الحقيقة. وهنا لا تكمن المشكلة في غياب الحكمة، وإنما في محدودية الرؤية البشرية. وهذا المعنى وجد صداه في تجارب التصوف والفلسفة. فقد رأى جلال الدين الرومي أن الإنسان حين يخفف من تعلقه الشديد بما يظنه خيرًا لنفسه، يصبح أكثر استعدادًا لاستقبال الخير الذي قد يأتيه من طريق لم يكن يتوقعه. أما سورين كيركغور فقد جعل من الإيمان تجربة تتجاوز الحسابات العقلية المجردة، لا بمعنى إلغاء العقل، وإنما بمعنى إدراك أن وجود الإنسان وحقيقته الروحية لا يمكن اختزالهما في الحساب وحده. ومن هنا فإن السالك الحقيقي لا يعطل عقله عندما يسلم أمره لله، بل يحرره من وهم السيطرة المطلقة. فهو يفكر، ويسأل، ويبحث، ويخطط، ويتخذ القرار، لكنه يعرف في النهاية أن هناك مساحة من الحياة لا تخضع لإرادته. وهذه المعرفة لا تجعله ضعيفًا، بل تجعله أكثر اتزانًا.حيدر عبد الرحمن الربيعي
ولعل أهم ما يفعله التسليم في النفس أنه يغير طبيعة السؤال. فالإنسان في لحظات الألم والابتلاء يسأل عادةً: لماذا حدث هذا لي؟ وهو سؤال طبيعي ومشروع، لكن الروح حين تنضج قد تنتقل إلى سؤال آخر أكثر عمقًا: ماذا يمكن أن أتعلم من هذا الذي حدث لي؟ ماذا يريد هذا الألم أن يكشف لي عن نفسي؟ وأي باب جديد يمكن أن يفتح في داخلي؟ عند هذه النقطة يتحول الابتلاء من مجرد جرح إلى مدرسة، ويتحول الانتظار من زمن ثقيل إلى مساحة للتربية، ويتحول الغيب من مصدر دائم للقلق إلى مجال للثقة. فالإنسان لا يعود منشغلًا بمحاولة السيطرة على كل ما سيحدث، وإنما يتعلم أن يكون حاضرًا فيما يستطيع أن يفعله الآن. وفي اعتقادي، فإن التسليم لا يُنال بكثرة المعلومات وحدها، ولا بغزارة الثقافة، ولا بمجرد ترديد الكلمات الروحية. إنه ثمرة مجاهدة طويلة للنفس، وصدق في التوكل، ونقاء في النية، وتجارب تعلم الإنسان تدريجيًا أن الحياة أكبر من توقعاته، وأن الله أرحب من مخاوفه. إن الإنسان الذي يربط طمأنينته بالنتيجة سيظل قلقًا، لأن النتائج متغيرة، والظروف متقلبة، والأسباب قد تتعطل في لحظة. أما الإنسان الذي يربط طمأنينته بالله، فإنه يستطيع أن يمضي حتى في الطريق الذي لا يرى نهايته. ولهذا أرى أن التسليم ليس استسلامًا، بل مقاومة عميقة للخوف. وليس تخليًا عن الإرادة، بل تحريرًا لها من الوهم. وليس إلغاءً للعقل، بل انتقالًا به من محاولة السيطرة على كل شيء إلى فهم حدوده وموقعه في منظومة أوسع. والتسليم، في أعمق معانيه، ليس نهاية الطريق الروحي، وإنما بداية الحرية الحقيقية. فالإنسان يظل أسيرًا ما دام متعلقًا بما في يده، خائفًا من فقده، قلقًا على مستقبله، مضطربًا أمام النتائج. فإذا تعلق قلبه بمن بيده الأمر كله، بدأ يتحرر من خوف الفقد ومن قلق المستقبل ومن عبء النتائج. عندها لا يتوقف عن السعي، بل يسعى بقلب أكثر هدوءًا. ولا يتخلى عن عقله، بل يستنير عقله بنور القلب. ولا يتوقف عن السؤال، لكنه يتعلم أن بعض الإجابات لا تأتي دفعة واحدة، وأن بعض الحكم لا تظهر إلا بعد أن يقطع الإنسان مسافة من الطريق. إن التسليم هو أن تمضي في طريقك، حتى حين لا ترى الطريق كله، لأنك تثق بمن يرى ما لا تراه. وهو أن تبذل يدك للأسباب، وقلبك لله، ثم تمضي دون أن تجعل خوفك من المجهول يحجب عنك جمال الحاضر. وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: هل تغيّر العالم حين سلّمنا أمرنا لله؟ بل هل تغيّرنا نحن؟ وحين يتغير الإنسان من الداخل، يصبح العالم أقل قدرة على إخافته، وأكثر قدرة على تعليمه. عندها يدرك أن الحكمة الإلهية قد ترى من الآفاق ما لا تراه عين الإنسان، وأن ما لا نفهمه اليوم قد يحمل في الغد معنى لم نكن قادرين على رؤيته. وهنا يبدأ الإنسان فعلًا بالصعود على سُلَّم الروح، درجةً بعد أخرى، حتى يصل إلى تلك الطمأنينة التي لا تحتاج إلى أن ترى الطريق كله، لأنها تثق بمن يقودها.


