منذ عام 2003، تعاقبت على العراق حكومات ورؤساء وزراء أبرموا اتفاقيات استراتيجية واستثمارية مع الولايات المتحدة، لكن المواطن لم يلمس نتائج تتناسب مع حجم تلك الوعود والاتفاقات. وبعد أكثر من عقدين، يحق للعراقيين أن يتساءلوا: أين المشاريع الكبرى؟ وأين التنمية الصناعية والاقتصادية والعمرانية التي وُعد بها العراق؟ وأين المصانع الحديثة، والمدن الصناعية، ومشاريع نقل التكنولوجيا، وتطوير البنى التحتية، والسكك الحديدية، والطاقة الكهربائية، والاستثمارات التي كان من المفترض أن تنعكس على حياة المواطن، وتوفر فرص العمل، وترتقي بمستوى الخدمات؟ فما زالت البلاد تعاني من تحديات مزمنة في قطاع الكهرباء، وضعف في القطاع الصناعي، وارتفاع معدلات البطالة، واعتماد كبير على الاستيراد، وهي ملفات كان العراقيون يأملون أن تشهد تقدمًا ملموسًا خلال السنوات الماضية. من الثابت أن الولايات المتحدة تنظر إلى العراق من زاوية مصالحها الاستراتيجية، وأن عراقًا قويًا اقتصاديًا وصناعيًا ومستقلًا في قراره قد لا ينسجم مع تلك المصالح. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن حصيلة أكثر من عشرين عامًا من الاتفاقيات لم تُترجم إلى نهضة صناعية أو عمرانية أو تكنولوجية توازي حجم تلك الاتفاقيات، وهو ما يعزز لديهم الاعتقاد بأن المصالح الأمريكية لا تتطابق بالضرورة مع طموحات العراق التنموية. ووفق هذا التحليل، فإن بقاء العراق في حالة ضعف أو اعتماد دائم على الخارج يمنح واشنطن قدرة أكبر على التأثير في مساراته السياسية والاقتصادية، خصوصًا أن العراق يقع على بُعد آلاف الكيلومترات من الولايات المتحدة، ولا ترتبط سياستها الخارجية عادةً بالاعتبارات الإنسانية، بل بحسابات المصالح والنفوذ. كما أن العراق يمثل ساحة مهمة في توازنات المنطقة، ويضم قوى سياسية واجتماعية ودينية ذات امتدادات وعلاقات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تُعد من أبرز القوى المناوئة للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط. لذلك يرى أصحاب هذا الرأي أن الصراع الدائر في المنطقة ينعكس بصورة مباشرة على العراق، ويؤثر في طبيعة العلاقات الدولية التي تُبنى معه، وهو ما يجعل العراق في قلب تنافس إقليمي ودولي تتداخل فيه المصالح والنفوذ. وبعد كل هذه السنوات، يبقى السؤال مشروعًا: إذا كانت الاتفاقيات مع طرف واحد لم تحقق ما ينتظره العراقيون، فلماذا لا تُنتهج سياسة أكثر توازنًا تقوم على تنويع الشراكات الاقتصادية والاستثمارية مع دول مختلفة، مثل الصين وروسيا وغيرها، وفق معيار واحد هو المصلحة الوطنية العراقية بعيدًا عن الاصطفافات والمحاور؟ إن الدعوة إلى الانفتاح على الصين أو روسيا أو غيرهما لا تعني بالضرورة معاداة الولايات المتحدة أو قطع العلاقات معها، وإنما تعني انتهاج سياسة خارجية متوازنة تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لدولة واحدة، بما يمنح العراق مساحة أوسع لاتخاذ قراراته الاقتصادية والسيادية وفقًا لمصالحه الوطنية، والاستفادة من المنافسة بين القوى الكبرى لتحقيق أفضل المكاسب للعراق. لقد أثبتت تجارب العديد من الدول أن تنويع الشركاء الاقتصاديين والاستثماريين يساهم في تسريع التنمية، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز الصناعة الوطنية، وزيادة فرص العمل، وعدم رهن مستقبل الدولة بإرادة طرف خارجي واحد. كما أن المنافسة بين الدول الكبرى على الاستثمار في العراق قد تمنح بغداد قدرة أكبر على التفاوض وتحقيق شروط أفضل، بدل الاكتفاء بخيار واحد يرى منتقدون أنه لم يحقق الطموحات التي كان العراقيون يأملونها. وهذا ما يحتاجه العراق اليوم إذا كان يسعى إلى بناء اقتصاد قوي ومستقل قادر على تلبية احتياجات شعبه. إن سيادة العراق واستقلال قراره يجب أن يكونا الأساس في أي علاقة خارجية، وهو ما أكدت عليه المرجعية الدينية العليا، وعلى رأسها السيد السيستاني، في مناسبات عديدة، عندما شددت على احترام سيادة العراق، ورفض التدخل في شؤونه الداخلية، وأن تكون مصلحة العراق والعراقيين فوق كل اعتبار. إن الدول لا تُقاس بعدد الاتفاقيات التي توقعها، وإنما بما تحققه تلك الاتفاقيات من نتائج ملموسة على أرض الواقع. فإذا لم تُثمر الاتفاقيات عن بناء اقتصاد قوي، وصناعة وطنية، وبنية تحتية متطورة، وفرص عمل حقيقية، وتحسين مستوى معيشة المواطن، فمن الطبيعي أن يعيد العراق تقييم خياراته وشراكاته الدولية، وأن ينفتح على جميع الدول القادرة على تقديم شراكات حقيقية قائمة على المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل، مع الحفاظ على سيادته واستقلال قراره الوطني. فالمصلحة الوطنية يجب أن تبقى البوصلة التي تُبنى عليها جميع العلاقات الخارجية، بعيدًا عن التبعية لأي محور، لأن المعيار الحقيقي لنجاح أي سياسة خارجية هو ما تحققه من نهضة للوطن وكرامة للمواطن، لا مجرد كثرة الاتفاقيات أو الشعارات.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد أكثر من عقدين من التجربة: ألم يحن الوقت لاستخلاص الدروس من التجارب السابقة التي لم تحقق ما كان ينتظره العراقيون؟ وإلى متى يستمر الرهان على النهج ذاته مع انتظار نتائج مختلفة؟ إن الحكمة تقتضي أن تُراجع التجارب بصدق، وأن يُبنى القرار على ما أثبت نجاحه لا على تكرار ما أخفق. فهل آن الأوان لأن يختار العراق طريقًا يقوم على تقييم التجربة، وتنويع الشراكات، وتقديم المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، أم سيبقى يدور في دائرة تكرار الأخطاء وانتظار نتائج لم تأتِ طوال أكثر من عشرين عامًا؟


