زيارة الزيدي إلى واشنطن: بين الآمال العراقية والاشتراطات الأمريكية

زيارة الزيدي إلى واشنطن بين الآمال العراقية والاشتراطات الأمريكية
تحمل زيارة الزيدي إلى واشنطن آمالاً عراقية بالاستثمار والطاقة ومكافحة الفساد، لكنها تواجه اشتراطات أمريكية معقدة، أبرزها نزع سلاح الفصائل وملاحقة شبكات الفساد، وسط غياب رؤية داخلية واضحة وتقلب سياسات إدارة ترامب....

غادر رئيس مجلس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، متوجهاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهو يحمل هموم وتطلعات الشعب العراقي بكل أطيافه ومكوناته الدينية والإثنية؛ شعب أنهكته الحروب والصراعات، والفساد الإداري والمالي الذي فتّ في عضد الدولة وأحاله إلى مجرد هيكل خاوٍ يعتاش عليه الساسة دون غيرهم. ولا تلوح في الأفق أي بوادر لإصلاح حال البلاد رغم المطالبات الشعبية التي تنوعت بين المظاهرات والاعتصامات طيلة السنوات الماضية، والتي رسمت شكلاً ثورياً صدامياً أحياناً عام 2019 وما تلاه في “انتفاضة تشرين” التي حاولت تصحيح مسار العملية السياسية دون جدوى. وعلى المسار الديني، توالت نصائح بل وتهديدات المرجعية العليا للطبقة السياسية لتصحيح المسار، وإجراء إصلاحات ملموسة، ومحاربة الفساد المستشري في جسد الدولة؛ ولكن دون جدوى، مما حدا بالمرجعية الدينية إلى غلق أبوابها أمام زيارات الطبقة السياسية كي لا تُستغل وتُوظف لأغراض دعائية وانتخابية. تحمل هذه الزيارة في أجندتها الكثير من الملفات الاقتصادية، الاستراتيجية، والأمنية. وتُقرأ في أوساط صناع القرار من خلال ثنائية (الآمال والمخاوف)؛ فهل تنجح الزيارة في رسم خارطة طريق وإطار لشراكة مستدامة، أم ستصطدم بضغوط وتحديات داخلية وخارجية مؤثرة وبالغة التعقيد؟ الدلالات والتوقيت الراهن للزيارة في ظل منطقة شرق أوسطية ملتهبة بالحروب حتى أضحت تغلي على صفيح ساخن، يأتي توقيت الزيارة ضرورياً على الصعيدين السياسي والاقتصادي: المجال السياسي: يحتاج الزيدي إلى الدعم السياسي الأمريكي في ظل تدخل دول الجوار في الشأن العراقي، ووضع كوابح أمريكية لهذا التدخل الذي أصبح معروفاً للقاصي والداني. المجال الاقتصادي والاستثماري: وهو جانب لا يقل أهمية، إذ يعتبر عصب الحياة اليومية لأي بلد في ظل ركود اقتصادي عالمي، وانخفاض صادرات العراق عبر مضيق هرمز، والبحث عن بدائل تصدير عاجلة لإنقاذ الاقتصاد العراقي المخنوق. ويمكن أن تفتح هذه الزيارة قنوات دبلوماسية مع دول الجوار، مثلما بدأها رئيس الوزراء بالتنسيق مع وزير خارجية الأردن، والذي تزامنت زيارته إلى واشنطن مع زيارة الوفد العراقي؛ حيث بحث الزيدي معه تنفيذ الخط العراقي-الأردني (بصرة – حديثة – العقبة)، والتعاون في مجال الربط الكهربائي في ظل صيف عراقي لاهب يشهد تناقصاً كبيراً في ساعات تجهيز الطاقة بالمحافظات. الآمال العراقية والرؤية الأمريكية إن ملفات الطاقة والاستثمار وإيجاد بدائل تصديرية للنفط العراقي -وهي من أهم الملفات التي يحملها رئيس الوزراء إلى واشنطن- سوف تصطدم باشتراطات أمريكية صعبة التنفيذ على المدى القريب، ومنها: نزع سلاح الفصائل: وهو الملف الذي جُعل توقيته متزامناً مع جلاء القوات الأجنبية (ومنها الأمريكية) من العراق في 30 سبتمبر القادم، في ظل غياب رؤية عراقية واضحة لكيفية نزع السلاح ومآل ألوية الحشد الشعبي وقياداتها؛ فهل سيتم هيكلة الحشد ليدمج مع ألوية الجيش؟ أم سيقتصر الأمر على تدوير الآمرين فقط؟ في النهاية، فإن نزع السلاح مطلوب وفق المنظور الأمريكي، لكنه قد يكون صعب التطبيق من منظور الواقع السياسي العراقي في ظل تهديدات إقليمية لا تزال قائمة. مطاردة شبكات الفساد: يبرز هنا الإلحاح الأمريكي كطريق ملغوم يصعب الاستمرار فيه بغياب رؤية عراقية واضحة -على الأقل عند عامة الناس- لكيفية معالجة هذا الملف الحساس، الذي قد يصل إلى رؤوس فساد تجلس في الخط الأول من العملية السياسية، مما يهدد النظام برمته وقد يُجابه بمقاومة من أتباع النظام والمنتفعين منه. سقف التوقعات على الصعيد الشعبي يأمل الشعب الذي أنهكته البطالة وسوء الخدمات واستشراء الفساد، أن تصدق الإدارة الأمريكية في وعودها وتنفذها على الأرض -مثلما رعت ترتيبات سياسية في ملفات إقليمية أخرى- وأن تدعم العراق بشكل فوري في مجال تفعيل الاستثمار في الطاقة والغاز، اللذين يكلفان موازنة البلاد مئات المليارات من الدنانير سنوياً دون أي حل يلوح في الأفق. إضافة إلى ذلك، يتطلع الشارع إلى دعم الزيدي في متابعة كبار السُّراق ومطاردتهم عالمياً عن طريق منظمة الإنتربول الدولية لاسترداد الأموال العراقية المنهوبة. وهي آمال وتطلعات شعبية ظلت تنتظر طويلاً، وقد لا تتحقق في المدى القريب في عهد إدارة الرئيس الحالي ترامب، الذي عُرف بتقلباته المزاجية الدائمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *