بعد المجازر الدامية التي شهدتها الشعوب الإسلامية في فلسطين ولبنان والجمهورية الإسلامية الإيرانية، يبرز سؤال جوهري ومصيري يختبر الالتزام الديني والمسؤولية التاريخية: هل صدرت فتوى صريحة ونافذة من كبار علماء أهل السنة تحرّم قتل الأبرياء وتدين هذه المجازر؟ في الوقت الذي يتبجح فيه وزير الدفاع الأمريكي وكل رجالات إسرائيل علناً بأن هذه الحرب هي حرب ضد الإسلام، نتساءل بمرارة: أين دور الأزهر الشريف والمجامع الفقهية في الدول العربية؟ إن صمت هذه المؤسسات لا يمكن تفسيره إلا كشراكة ضمنية في الظلم؛ فاستشهـاد الأطفال والنساء في هجمات متعمدة، كما في الأحداث الحالية، لا يفضح هشاشة العدالة الإنسانية فقط، بل يكشف خضوع الخطاب الديني الرسمي للإملاءات الخارجية، مما يحوّل الدين إلى أداة في يد السلطة، بدلاً من أن يكون سلطةً للحق ونصرةً للإسلام والمسلمين. ومنذ عام ١٩٤٨ إلى يومنا هذا واليهود يقتلون ويحرقون ويهجرون الفلسطينيين. ومع ذلك لم تُطلق فضائيات العرب ولا مشايخهم صفة مسلمين ولا أهل سُنة على الفلسطينيين إلا ما ندر منهم، بل منهم يتعمد تشويه الحقيقة، فيستبدل وصف الشهداء بعبارة “القتلى”. في وسائل الإعلام، ما يخفي حجم المأساة ويقلل من إدراك القارئ للمعاناة الإنسانية. هذا التساؤل يتجاوز حدود الاستفسار الفقهي التقليدي، ليصبح بحثاً عن السيادة الأخلاقية المفقودة في زمن التوازنات السياسية والمصالح الضيقة. إن صدور موقف ديني حازم من مؤسسة كبرى كفيل بإحداث ضغط أخلاقي وشعبي واسع قد يساهم في وقف نزيف الدم ويرفع مناعة المجتمع في وقف والمطالبة بوقف الإجرام. إن غياب هذا الموقف يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة عن جدوى المؤسسات الدينية الرسمية الحالية إذا لم تكن قادرة على قول كلمة حق لحماية المسلمين وحفظ أرواحهم؛ فبماذا هي مهتمة؟ خفض مناعة الناس وتجبينهم أم بالمصالح الشخصية والامتيازات المالية؟ وهو ما يعكس أزمة حادة في الضمير العام وارتهان القرار الديني لموازين القوى الحاكمة. وما يثير الصدمة والأسى هو التباين الصارخ في المواقف؛ فبينما تتبنى مؤسسات غير إسلامية مواقف إنسانية تجاه هذه المجازر، نجد القوى الصهيونية، وعلى رأسها أمريكا، تتبجح بدور مباشر في دعم العدوان وتوفير الغطاء السياسي والعسكري الكامل له. وفي هذا السياق، تبرز التصريحات العلنية الفجة؛ حيث قال بنيامين نتنياهو (رئيس الوزراء الإسرائيلي) إن إسرائيل شكلت “تحالفًا قويًا لمواجهة تهديد الإسلام”، بينما وصف إيال زامير (رئيس أركان الجيش الإسرائيلي) الحرب التي يقودها الجيش بأنها “حرب وجودية ضد الشر المطلق”، زاعماً أن السلام مع المسلمين غير ممكن أبدًا وأن الحرب ضد المسلمين ستستمر. كما أن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث كتب في كتابه (الحملة الصليبية الأمريكية) عن صراع حضاري ضد الإسلاموية ويدعو فيه إلى مواجهة شاملة بل له عبارة يقول فيها للجنود اقتلوا جميع المسلمين. المفارقة الصادمة أن بعض المؤسسات الدينية تنشغل بفتاوى تفصيلية في مسائل فرعية، بينما تتلعثم أخلاقياً أمام إبادة شعوب بأكملها. صمت هذه المؤسسات أمام المجازر الكبرى ليس حياداً، بل خيانة صريحة للحق والإنسانية… تداخل المال السياسي وأدوات النفوذ مع مواقف رجال الدين يطرح تساؤلاً عن استقلالية القرار الديني. التبعية الاقتصادية والارتهان المالي لبعض الجهات لجمت ألسنة الكثيرين عن اتخاذ مواقف حازمة ومنحازة للحق، ومندوبو أمريكا من قادة الدول العربية أصبحوا طرفاً مباشراً في تمكين المجازر وضمان استمرارها دون محاسبة. الإسلام ليس مجرد شعارات، بل نظام حياة متكامل. حين نطبق قواعده في حياتنا، نكون مسلمين بالفعل، وحين نتجاهلها نصبح مسلمين بالأسماء فقط. لكن أليس سلوك بعض الحكومات الإسلامية متناقضًا مع قول النبي ﷺ: «من لم يستجب لنداء مسلم فليس بمسلم»؟ فأيُّ إسلامٍ هذا؟! قيم الإسلام تقتضي أن تكون كلمة الحق هي العليا مهما كانت الضغوط المادية أو السياسية، لأن خسران الموقف الأخلاقي يعني خسران هوية الأمة وقوتها المعنوية. استعادة الصوت الأخلاقي للإسلام يتطلب موقفاً جذرياً يتجاوز البيانات الشكلية الروتينية. العدالة اليوم تقتضي إصدار فتاوى صريحة تُعرّي المعتدين وترفض أي مساومة على دماء الأبرياء، مما يحمي اللحمة الاجتماعية للمسلمين ويمنع تفكيك نسيجها. الإسلام ليس شعاراً، بل فعل نضالي وحق إنساني يُصان. قد يُنظر إلى السكوت أمام الظلم على أنه مساهمة ضمنية في استمرار الممارسات الظالمة. إن رجل الدين الذي يهمل حماية الأنفس أو يتغاضى عن العدوان على المدنيين من المسلمين، لا يستحق صفته رجل دين بل دجال إذا لم يتخذ موقفاً صارماً وفتوى حازمة؛ وإلا فإن التاريخ سيسجل أسماء المتواطئين بأحرف من خزي. وستظل الدماء المهدورة في غزة وغيرها من البلاد المكلومة، وبين أطفالها الشهداء، شاهدة أبدية في الضمير العالمي على إرهاب الصمت، وارتهان الإرادة الدينية لـ القوى المالية المؤثرة. حتماً يوجد نماذج صالحة، قادت بصدق وإخلاص، ويمكن لكل فرد أن يقتدي بها ويستلهم منها سلوكه ومواقفه. إن الأمر يستوجب مراجعة شاملة من كل فرد تجاه من خان الأمانة وباع دينه بدنياً لغيره. وسيحاسب الجميع، فرادى وجماعات، في محكمة الله العادلة، حيث يُوفّى الصابرون والمدافعون عن الحق أجرهم بغير حساب، ويُسأل كل ذي نفوذ عما قدمت يداه تجاه أنين الضحايا وصرخات النساء.


