استثناء إسرائيل في الرد الإيراني يقلق تل أبيب … بوصلة المواقف …

استثناء إسرائيل في الرد الإيراني يقلق تل أبيب ... بوصلة المواقف ...
يعد النص المحكمة الجنائية الدولية أداة مهمة للعدالة رغم بعض إخفاقاتها، ويشيد بثبات قضاتها في ملاحقة نتنياهو وغالانت. كما يدين الحملة الأمريكية الرامية إلى تفكيك المحكمة، ويدعو إلى حمايتها دفاعاً عن القانون الدولي وحقوق الشعوب...

نجاح ايران في وضع إسرائيل تحت الضغط النفسي، وجعل الجبهة الداخلية في حالة ترقب وانتظار للضرية،  وهنا يكمن الذكاء والدهاء، فالحروب لا تكون الضربات وحدها هي التي تصنع المفاجآت، بل إن اختيار الأهداف وترتيب الأولويات قد يكون أكثر تأثيراً من الصواريخ نفسها.

ومن هنا يمكن فهم جانب من القلق الإسرائيلي إزاء الطريقة التي قرأت بها تل أبيب الرد الإيراني على الضربات الأمريكية، إذ إن ما لم يحدث قد يكون أكثر إثارة للقلق مما حدث بالفعل.

فإيران، التي اعتادت في خطابها السياسي والعسكري وضع إسرائيل ضمن دائرة خصومها الأساسيين، لم تجعلها في مقدمة الرد، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات وتحليلات واسعة داخل الأوساط الإسرائيلية. فهل كان ذلك استبعاداً حقيقياً؟ أم مجرد تأجيل محسوب لمرحلة لاحقة؟

من وجهة النظر الإسرائيلية، فإن الاستثناء المؤقت لا يعني الخروج من بنك الأهداف، بل قد يعني العكس تماماً. فتل أبيب تدرك أن العقيدة الإيرانية تقوم على إدارة الصراع وفق مراحل، وأن اختيار التوقيت لا يقل أهمية عن اختيار الهدف. ولذلك فإن عدم استهداف إسرائيل في البداية قد يُقرأ باعتباره جزءاً من تكتيك يهدف إلى استنزاف القدرات الدفاعية والإمكانات العسكرية في محيطها قبل الانتقال إلى مرحلة أخرى.

وهنا يكمن مصدر القلق الحقيقي. فإسرائيل تعتمد، بدرجات متفاوتة، على بيئة إقليمية تضم قواعد ومنشآت وشبكات دفاع أمريكية وغربية تشكل طبقات إنذار واعتراض متقدمة. وإذا تعرضت هذه المنظومات للاستنزاف أو الإضعاف نتيجة المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران، فإن إسرائيل قد تجد نفسها أمام واقع مختلف، تصبح فيه مطالبة بالاعتماد بصورة أكبر على قدراتها الذاتية في مواجهة أي تصعيد لاحق.

وتزداد المخاوف الإسرائيلية مع إدراكها أن الولايات المتحدة، مهما حاولت الفصل بين مصالحها ومصالح حليفتها، فإن أي توسع في دائرة المواجهة قد يجعل هذا الفصل أكثر صعوبة. فحتى لو أعلنت إسرائيل أنها لم تشارك مباشرة في العمليات الأمريكية، فإن تطورات الميدان قد تفرض عليها الانخراط لاحقاً، سواء لحماية مصالحها أو استجابة لتحولات تفرضها طبيعة الصراع.

وفي المقابل، قد ترى إيران في أي دعم استخباري أو لوجستي أو دفاعي تقدمه إسرائيل للولايات المتحدة سبباً كافياً لاعتبارها طرفاً مباشراً في المواجهة، وهو ما قد يغير قواعد الاشتباك بصورة جذرية. وفي هذه الحالة، لن يكون النقاش حول من بدأ، بل حول من أصبح جزءاً من المعركة.

هذا السيناريو هو ما يفسر جانباً من القلق داخل إسرائيل. فالتأجيل، في الحسابات العسكرية، لا يعني الإلغاء، بل قد يكون تمهيداً لظروف تراها الجهة المهاجمة أكثر ملاءمة. وإذا كانت إيران تسعى فعلاً إلى إنهاك شبكات الدفاع المحيطة بإسرائيل قبل الانتقال إلى مرحلة أخرى، فإن ذلك يمنحها، من وجهة نظر هذا التحليل، فرصة للعمل في بيئة أقل تعقيداً وأكثر انكشافاً.

ولهذا، فإن تل أبيب لا تنظر إلى استثنائها من الرد الأول بوصفه مكسباً، بل بوصفه احتمالاً يحمل في طياته مخاطر أكبر. فالانتظار قد يكون أكثر إرهاقاً من المواجهة نفسها، خاصة عندما يكون الخصم معروفاً بسياسة النفس الطويل، وإدارة التصعيد على مراحل، واختيار توقيت الضربة بما يحقق أكبر أثر ممكن.

لهذا كله، لا يبدو أن إسرائيل تنظر إلى هدوء اللحظة باعتباره نهاية الخطر، بل تعتبره مرحلة قد تسبق اختباراً أكثر حساسية. فبين حسابات واشنطن، وتكتيكات طهران، واحتمالات اتساع رقعة الصراع، يبقى هاجس تل أبيب قائماً: أن يتحول الاستثناء المؤقت إلى انتظار ثقيل، وأن يصبح تأخر المواجهة مقدمة لمواجهة أشد خطورة إذا ما تبدلت الظروف العسكرية والسياسية في المنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *