لقد ارتفع سقف الأهداف الأميركية والإسرائيلية منذ بداية المواجهة. تمثل الهدف الأول في إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية أو إضعافه إلى الحد الذي يقود إلى انهياره، إلا أن النظام بقي متماسكاً ولم تظهر حتى الآن مؤشرات حاسمة على قرب سقوطه. أما الهدف الثاني، فتمثل في تفكيك القدرات النووية الإيرانية وإنهاء الملف النووي نهائياً. وعلى الرغم من الضربات والخسائر التي تعرضت لها المنشآت والبنى المرتبطة بالبرنامج، فإن الحديث عن القضاء الكامل عليه ما يزال بعيداً عن التحقق، ولا سيما أن المعرفة والخبرات العلمية لا يمكن تدميرها بالغارات الجوية وحدها. وجاء الهدف الثالث متمثلاً في تدمير القدرات الصاروخية الباليستية والطائرات المسيّرة وتجريد إيران من أدوات الردع والهجوم. غير أن استمرار طهران في إطلاق الصواريخ والمسيّرات واتساع نطاق ردودها الإقليمية يشيران إلى أن هذا الهدف لم يُحسم هو الآخر. أما الهدف الرابع غير المعلن، وفق بعض القراءات السياسية، فيقوم على دفع إيران نحو التفكك الداخلي وتحويلها إلى كيانات متصارعة تستنزف ما تبقى من قدراتها في حرب أهلية طويلة. إلا أن هذا السيناريو لم يتحقق حتى الآن، بل أسهم الضغط الخارجي، في بعض مراحله، في تعزيز التعبئة الداخلية بدلاً من تفكيكها. وهنا يتجلى المأزق الاستراتيجي الذي تواجهه واشنطن وتل أبيب وبعض حلفائهما الإقليميين؛ فامتلاك القدرة على إلحاق أضرار واسعة بإيران لا يعني بالضرورة القدرة على فرض نهاية سياسية للحرب. لقد نجحت العمليات العسكرية في توجيه ضربات مؤلمة، لكنها لم تتحول إلى نصر استراتيجي يحقق الأهداف الكبرى المعلنة أو المفترضة. في المقابل، تعتمد إيران ما يمكن تسميته بـ«التصعيد الأفقي»، أي توسيع جغرافية المواجهة وضرب أهداف وقواعد ومصالح متعددة في أكثر من دولة، بهدف تعويض التفوق العسكري الأميركي «العمودي» القائم على تنفيذ ضربات كثيفة وعميقة داخل الأراضي الإيرانية. وبهذه الاستراتيجية تحاول طهران توزيع كلفة الحرب على الولايات المتحدة وحلفائها وممرات الطاقة والتجارة، وجعل النزاع أزمة إقليمية ودولية لا مواجهة ثنائية محدودة. اقتصادياً، يواجه الرئيس دونالد ترامب ضغوطاً داخلية متزايدة، وسط مخاوف من تحول المواجهة إلى «حرب أبدية» جديدة. كما يؤدي استمرار القتال واضطراب طرق الملاحة والطاقة إلى رفع أسعار النفط وزيادة تكاليف النقل والتأمين، فضلاً عن اهتزاز الأسواق العالمية وتحميل المواطن الأميركي أعباء إضافية. ولم تثبت الحلول المؤقتة، بما فيها تفاهمات وقف إطلاق النار ومذكرات التفاهم المرحلية، قدرتها على صناعة سلام مستدام، لأنها عالجت لحظة التصعيد من دون معالجة جذور الصراع أو تقديم استراتيجية طويلة الأمد. ولذلك سرعان ما عادت الأطراف إلى مربع الصدام العنيف. وتزداد الأزمة تعقيداً مع اقتراب انتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر 2026. فإذا خسر الجمهوريون أغلبيتهم في إحدى غرفتي الكونغرس أو كلتيهما، فقد يجد الرئيس نفسه أمام رئاسة مقيدة سياسياً، ولجان تحقيق واستجوابات متواصلة، وصعوبات في تمرير التشريعات والتمويل، وهو ما سيجعل استمرار الحرب أكثر كلفة وتعقيداً. لهذا لم تعد الولايات المتحدة أمام حرب تقليدية خاطفة يمكن حسمها خلال أيام أو أسابيع، بل أمام حرب استنزاف سياسية واقتصادية وعسكرية مفتوحة. والمفارقة أن أي محاولة لتسريع الحسم عبر توسيع الضربات قد تؤدي إلى توسيع الحرب نفسها، وزيادة عدد الدول المنخرطة فيها، ورفع كلفتها إلى مستويات يصعب التحكم بها. إن المشكلة الأساسية ليست في قدرة الولايات المتحدة على توجيه مزيد من الضربات، بل في غياب هدف نهائي واقعي واستراتيجية خروج مقنعة. فالقوة العسكرية تستطيع تدمير المنشآت، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة تسوية سياسية أو ضمان استقرار ما بعد الحرب. ومن دون تحديد نهاية قابلة للتحقق، ستظل واشنطن عالقة بين خيارين أحلاهما مرّ: التراجع من دون تحقيق أهدافها، أو الاستمرار في حرب طويلة لا تبدو لها نهاية قريبة.


