البصيرة والاستشراف ـ في فكر علي لاريجاني

البصيرة والاستشراف ـ في فكر علي لاريجاني
تُبرز القيادة الواعية قدرتها في استشعار الأزمات قبل وقوعها عبر قراءة المؤشرات المبكرة وتحليل البيئة السياسية والاستراتيجية. وتمثل هذه البصيرة الاستباقية أداة لحماية المجتمع والدولة من المفاجآت، من خلال الجمع بين الرؤية الاستراتيجية والوعي الأخلاقي...

إن تناول فكرة استشعار المشكلة قبل وقوعها في إطار كلام القائد علي لاريجاني يمكن فهمه بوصفها قدرة قيادية تنبع من الوعي والبصيرة، لا من ردّ الفعل المتأخر. فالقائد الحقيقي لا ينتظر الأزمة حتى تقع ثم يبدأ بمعالجتها، بل يمتلك حسًا استشرافيًا يمكّنه من قراءة المؤشرات المبكرة التي قد تتحول لاحقًا إلى أزمات أكبر.

وتُعد القدرة على استشعار المشكلات قبل ظهورها بوضوح من الخصائص الأساسية التي تميز القيادة الواعية في الفكر الإداري المتقدم. فالقائد الناجح لا يقتصر دوره على إدارة الأزمات بعد وقوعها، بل يمتد إلى إدراك العلامات الأولية التي قد تشير إلى خللٍ قادم. وهذه القدرة تمثل أحد أبعاد التفكير الاستراتيجي؛ لأنها تقوم على قراءة البيئة التنظيمية والسياسية قراءة عميقة تسمح باكتشاف الاختلالات في مراحلها المبكرة قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.

وفي سياق التصريحات الظاهرة في الصورة، يتبدى هذا الاستشراف في التحذير من “مؤامرات” محتملة تُطبخ في الغرف المظلمة؛ حيث يربط لاريجاني بين تحركات دولية مريبة وبين محاولات شيطنة الدولة. هذا الربط ليس مجرد اتهام سياسي، بل هو نتاج عملية “تفكيك المشهد” وتحويل البيانات المبعثرة إلى رؤية واضحة تحمي الأمن القومي من صدمات الفجاءة.

وفي إطار قيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية يكتسب هذا المفهوم بعدًا أعمق؛ إذ لا يرتبط استشعار المشكلة فقط بالتحليل الإداري أو بالمعلومات والتجارب السابقة في فهم سلوك الخصوم، بل يرتبط أيضًا بدرجة الوعي الأخلاقي والروحي لدى القائد. فالقائد الذي يمتلك حسًا أخلاقيًا عاليًا تجاه بلده ومجتمعه يكون أكثر قدرة على ملاحظة التغيرات الدقيقة في سلوك الخصم أو العدو. وقد تبدو هذه المؤشرات صغيرة في ظاهرها، لكنها في الواقع قد تمثل إشارات مبكرة لمشكلات أكبر إذا لم يتم التعامل معها في الوقت المناسب.

إن تحذير لاريجاني من “خلق حادثة شبيهة بـ 11 سبتمبر” يعكس ذروة الوعي الاستباقي؛ فهو يدرك أن التاريخ قد يعيد نفسه بأنماط مختلفة، وأن حماية الشعوب تتطلب فضح السيناريوهات قبل تنفيذها. هنا تتضح القيادة كـ “درع واقٍ” يعتمد على المعلومة والتحليل لا على الصدفة.

ومن هنا تتحول القيادة من مجرد إدارة للأحداث إلى إدارة استباقية للمستقبل. فالقائد الذي يمتلك هذه البصيرة القيادية يعمل على معالجة جذور المشكلة قبل أن تتحول إلى أزمة، وهو ما يقلل من كلفة الصراع ويمنع تفاقم التوترات داخل المؤسسة أو في البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. وتظهر الخبرة الإدارية أن المؤسسات التي يقودها قادة يمتلكون هذا النوع من الوعي الاستباقي تكون أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والتكيف مع التحديات المتغيرة.

ولا يقتصر هذا المفهوم على الفكر الإداري الحديث، بل يجد جذوره أيضًا في التراث الإسلامي الذي أكد أهمية البصيرة في القيادة. فقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله تعالى:

﴿أفمن يمشي مكبًّا على وجهه أهدى أمّن يمشي سويًّا على صراطٍ مستقيم﴾ (الملك: 22)، وهي إشارة رمزية إلى الفرق بين من يسير بلا وعي أو بصيرة، وبين من يتحرك وفق رؤية واضحة وإدراك سليم للاتجاه.

كما ورد أن الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري قال لرسول الله: يا رسول الله أوصني.

فقال النبي الأكرم:

“يا أبا ذر، إذا هممتَ بأمرٍ فتدبَّر عاقبته؛ فإن يكُ خيرًا فامضِ فيه، وإن يكُ شرًّا فاجتنبه.”

وهي وصية نبوية تعكس مبدأ عميقًا في التفكير القيادي يقوم على تقدير النتائج قبل اتخاذ القرار، وهو ما ينسجم مع مفهوم القيادة الاستباقية في الفكر الإداري المعاصر.

وعليه، فإن استشعار المشكلة قبل وقوعها لا يمثل مجرد مهارة إدارية عادية، بل يعد مظهرًا من مظاهر النضج القيادي والبصيرة الاستراتيجية. فالقائد الذي يمتلك هذه القدرة لا يتحرك تحت ضغط الأحداث، بل يتقدم عليها بفهم عميق لمساراتها المحتملة. ومن هنا تتحول القيادة من حالة ردّ فعل إلى قوة توجيه وصناعة للمستقبل.

إن نموذج القيادة الذي يجمع بين البصيرة الأخلاقية والرؤية الاستراتيجية هو القادر على حماية المؤسسات والمجتمعات من الانزلاق نحو الأزمات. فالقائد الذي يرى أبعد من اللحظة الراهنة، ويدرك مقدمات الخطر قبل تحوله إلى واقع، يكون أكثر قدرة على حفظ الاستقرار وصيانة مصالح الناس.

وبذلك يتضح أن القيادة الإلهية لا تقوم على إدارة الأزمات بعد وقوعها فحسب، بل على الوعي المبكر بمقدماتها، وعلى اتخاذ القرار في الوقت المناسب قبل أن تتحول المشكلات الصغيرة إلى أزمات كبرى. وهذه البصيرة هي التي تميز القائد الحقيقي؛ لأنها تجعل القيادة فعلًا واعيًا لحماية الإنسان والمؤسسة والمجتمع، لا مجرد إدارة متأخرة لنتائج الأزمات.

3 Responses

  1. احسنتم استاذ مرتضى مقال جميل واشارة جميلة لما لها من اهمية بالغة في ادارة الازمة و القيادة الفذة وهذا ان دل فيدل عن انعكاس حقيقي لحضارتهم وثقافتهم والمعتقد الحقيقي لدا قيادتهم.

    1. وأنتم من المحسنين شكراً. أعتقد أن مثل هؤلاء القادة الأفذاذ هم بذاتهم نصر وإذا لم يستثمر نهجهم ويستمر فهو نصر مهدور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *