بغداد والتشيع وسفراء الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه

بغداد والتشيع وسفراء الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه
شكّلت بغداد مركزاً محورياً للتشيع خلال الغيبة الصغرى، إذ عاش فيها السفراء الأربعة ومارسوا نشاطهم ودُفنوا فيها، وأسهم نظام السفارة والتقية والوساطة في صياغة أنماط الاتصال والقيادة والحياة الاجتماعية الشيعية في ظل غياب الإمام...

تضافرت المصادر المؤكدة على ان الغيبة الصغرى للامام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، أمتدت للفترة من (الثامن من شهر ربيع الاول ٢٦٠  هجرية/شهادة الامام الحسن العسكري) وحتى (النصف من شعبان ٣٢٩/ وفاة  السفير الرابع أبي الحسن علي بن محمد السمري)، والذي يعني ان السفارة كانت حوالي (٦٩) سنة. ومثلت سفارة السفير الثاني محمد بن عثمان الفترة الاطول، حيث استغرقت قرابة الخمسين سنة، وخلال هذه الفترة، إديرت مهمة السفارة بواسطة أربعة من أجلاء وثقاة أهل البيت عليهم السلام، هم كل من : (عثمان بن سعيد العمري، محمد بن عثمان بن سعيد العمري، الحسين بن روح النوبختي، علي بن محمد السمري).

يعرض الشهيد الصدر الثاني قدس سره في الجزء الأول من موسوعته الهامة عن الأمام المهدي (الغيبة الصغرى) لحياة السفراء ونشاطهم، ويؤكد، كما هو حال المصادر الموثوقة، أن السفراء عاشوا ومارسوا نشاطهم ودفنوا في بغداد، وقبورهم معروفة مميزة، وكلهن في صوب الرصافة من بغداد، وفي منطقة متقاربة نسبياً.

وفي نقاشه لإستبعاد أختيار أي شخصية من بني هاشم للسفارة (على فرض وجود الأهلية)، بين الصدر، ان الظروف السياسية الشديدة، وحجم المراقبة والمتابعة من قبل السلطة، جعلت من المصلحة إستبعاد أي شخصية يمكن التعرف عليها بسهولة.

وفي تعليل كون السفراء كانوا في بغداد تحديداً، أوضح الصدر، ان الامر يتعلق بضرورة إبقائهم بالقرب من تجارتهم وأعمالهم، بحيث لا يكون انتقالهم إلى أماكن أخرى ملفتاً للإنتباه، ومدعاة لمتابعة السلطة، كما لم ينفي، أن يكونوا قد سافروا إلى أماكن أخرى مثل مكة والمدينة وقم، والحواضر التي يتواجد فيها أتباع أهل البيت، بل الشواهد الدالة على ذلك، ومنها ما ذكر في لقاء السفراء للإمام الحجة في الكعبة، وهو متعلق بأستارها، كما ان مصادر أكدت، وجود وكلاء ومعتمدين للسفراء في البلدان الأخرى، يعملون كحلقة وصل بين القواعد والسفير.

مرت المصادر العامة والخاصة على مرحلة السفارة (الغيبة الصغرى) بشيء من الاقتضاب والاختصار، وربما كان الشهيد الصدر الثاني، هو الاعمق والاكثر تفصيلاً في تناول ومعالجة هذه الفترة، إذ أستغرقت معظم الكتابات عنهم في سرد حياتهم، وركزت أخرى على مدعي السفارة في زمنهم، والصراعات التي دارت حول هذا الموضوع، لكن لم يتعرض أحد بشكل عميق وواضح إلى أثر هذه الفترة المهمة والحساسة من تاريخ التشيع في صياغة: (طبيعة الصلة غير المباشرة بين الإمام والاتباع وآليات إدارتها، منظور العقل الجمعي لمهمة الوساطة بين الإمام والقواعد، الدور الذي يمكن ان تمارسه النخبة في ظل وجود سلطة جائرة وغياب للإمام، ميكانزم التقية وثقافة الحذر، فكرة التلقي غير المباشر لنهج وكلمات أهل البيت)، إذ صاغت هذه الفترة التي كانت بمثابة تمرين وممارسة عملية، نسق الحياة الشيعية إلى لحظتنا الحاضرة، وهو ما يستحق المزيد من الدراسة والبحث من منظور سوسيولوجي، فضلاً عن المجالات الأخرى.

إن وجود السفراء الاربعة في بغداد، وحياتهم وعملهم ومدفنهم فيها، يؤكد بما لا شك فيه، حجم وأهمية بغداد كحاضرة ومقر ومركز أساس لفكر أهل البيت ومنهجهم ومسارهم، فرغم وجود قواعد في حواضر أخرى في عدد غير قليل من البلدان، بل ورغم كون آخر فترة الامامين العسكريين، كانت في سامراء، إلا ان بغداد ظهرت كمركز أولي متقدم للتشيع، ويدعم ذلك بقوة إمتداد هذا التواجد المركزي للنخبة الشيعية معقد الشأن الخاص، ففيها الشيخ المفيد والسيد الرضي والمرتضى، رضوان الله عليهم (وجوداً ونشاطاً ومدفناً)، بل شوط طويل من حياة الشيخ الطوسي رضوان الله عليه، فضلاً عن عدد غير قليل من المدارس والعلماء.

هذه الحقائق ومؤشرات عديدة أخرى، تؤكد الصلة الأصيلة لمدينة بغداد بالتشيع وفكر أهل البيت ومسارهم، بل أنها كانت الارض التي دارت عليها أشد فترات الإمامة حساسية، لذا فإن تجريد بغداد من هذا الشرف، أو طرح تاريخ مغاير، هو زيف ورائه جهل أو مقاصد مريضة وحقودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *