مقدمة: جسدٌ بلا دهون واقية
تخيّل جسداً بشرياً فقد معظم طبقات الدهون التي تحمي أعضاءه من الصدمات؛ جسداً تلامس فيه العظام الجلد تقريباً، بحيث يتحول احتكاك محدود أو سقوط عابر إلى كسر مؤلم. هذه الصورة، على قسوتها، تقترب كثيراً من وصف الاقتصاد العراقي: اقتصاد ضخم من حيث الثروة النفطية، لكنه شديد النحافة من حيث تنوع مصادر الدخل، وبدائل التصدير، والقاعدة الإنتاجية، وأدوات الادخار والاستقرار المالي.
العراق ليس بلداً فقيراً بالموارد. المشكلة أنه يمتلك مصدراً بالغ القوة للدخل، لكنه لا يمتلك بالقدر نفسه منظومة متكاملة لامتصاص الصدمات التي قد تصيب هذا المصدر. وفي عام 2025 مثّل النفط نحو 53% من الناتج المحلي الحقيقي، و88% من إيرادات الحكومة، و91% من صادرات السلع. هذه النسب تجعل النفط أكثر من قطاع اقتصادي؛ إنه العمود الذي يستند إليه النظام المالي والخارجي للدولة بأكمله.
ولهذا لا يحتاج الاقتصاد العراقي بالضرورة إلى انهيار أسعار عالمي حتى يدخل دائرة الخطر. يكفي اضطراب في ممر بحري خارج حدوده، أو توقف خط أنابيب، أو أزمة إقليمية ترفع كلفة التأمين والشحن، حتى تنتقل الصدمة من الجغرافيا إلى النفط، ثم إلى الإيرادات العامة والسيولة والاستثمار، ومنها إلى المدينة وسوق العمل والمواطن.
من هنا يحاول هذا المقال قراءة الهشاشة العراقية من زاويتين متداخلتين: زاوية الاقتصاد الكلي التي تراقب الإيرادات والاحتياطيات والإنفاق والتجارة، وزاوية التخطيط الإقليمي والحضري التي تسأل أين تتركز الأنشطة الاقتصادية، وكيف ترتبط المدن والموانئ والممرات ببنية الاقتصاد الوطني. فالهشاشة ليست رقماً في الموازنة فقط؛ إنها أيضاً بنية مكانية.
ما هي «الوسادة الماصة للصدمات» في الاقتصاد؟
في الهندسة، لا يمنع نظام امتصاص الصدمات الطريق من أن يكون وعراً، لكنه يمنع انتقال كل اهتزاز مباشرة إلى الهيكل والركاب. والمنطق ذاته ينطبق على الاقتصادات.
الاقتصاد المرن لا يستطيع منع انهيار سعر سلعة عالمية، أو إغلاق ممر بحري، أو حدوث حرب إقليمية؛ لكنه يستطيع منع انتقال الصدمة الخارجية كاملة إلى الموازنة والدخل والتوظيف والخدمات العامة.
وتتكون هذه «الوسادة» من عدة طبقات: صندوق استقرار أو صندوق سيادي يتراكم فيه جزء من الفوائض في سنوات الرخاء؛ احتياطيات أجنبية تكفي لتمويل الواردات عند تعطل التدفقات الخارجية؛ اقتصاد متنوع يوزع الدخل على النفط والصناعة والزراعة والخدمات؛ قطاع خاص قادر على خلق الوظائف خارج أجهزة الدولة؛ إضافة إلى بنية لوجستية تملك أكثر من ميناء ومسار وخط أنابيب ومنفذ للتجارة والتصدير.
العراق يمتلك بعض هذه العناصر، لكنه لا يمتلكها حتى الآن في صورة منظومة متماسكة. فقد بلغت احتياطيات البنك المركزي نحو 100.3 مليار دولار في نهاية 2024، وهي تغطي أكثر من 12 شهراً من الواردات، ما يمثل حاجزاً مهماً أمام الأزمات الخارجية القصيرة. لكن الاحتياطيات الأجنبية ليست صندوقاً لتمويل الموازنة؛ وظيفتها الأساسية حماية الاستقرار النقدي وتمويل المدفوعات الخارجية. ولذلك لا تستطيع، من دون تكاليف خطيرة، تعويض فقدان مستدام للإيرادات النفطية التي تمول الرواتب والنفقات الحكومية.
وفي المقابل، لا يمتلك العراق حتى الآن صندوق استقرار مالي واسعاً، مستقلاً، ومقيداً بقواعد ادخار وسحب صارمة على غرار التجارب الدولية الكبرى. وهنا يظهر الفارق بين وجود المال ووجود مؤسسة لامتصاص الصدمة.
تشريح الاقتصاد الريعي الأحادي
الريع كمخدّر مؤقت وفخ بنيوي
لا تكمن مشكلة الريع في وجود النفط، وإنما في الطريقة التي يعيد بها النفط تشكيل سلوك الدولة والاقتصاد. فحين تستطيع الحكومة تمويل الجزء الأكبر من نفقاتها من مورد خارجي ضخم، تتراجع نسبياً الحاجة إلى بناء قاعدة ضريبية واسعة، وينمو القطاع العام، وتزداد حساسية النشاط الاقتصادي للإنفاق الحكومي.
هذا هو أحد أوجه ما تصفه الأدبيات الاقتصادية بـ«لعنة الموارد»: الثروة الطبيعية التي يفترض أن تكون رافعة للتنمية قد تصبح، في غياب المؤسسات الملائمة، سبباً لتأجيل الإصلاح والتنويع.
وتظهر المشكلة بوضوح في المالية العامة العراقية. فقد ارتفع «سعر النفط اللازم لمعادلة الموازنة» بحسب تقديرات صندوق النقد من نحو 54 دولاراً للبرميل في 2020 إلى قرابة 84 دولاراً في 2024، نتيجة اتساع النفقات والالتزامات الجارية. ومعنى ذلك أن الدولة أصبحت تحتاج إلى سعر نفط أعلى للحفاظ على التوازن المالي، أي إن قدرتها على تحمل انخفاض الأسعار تراجعت رغم استمرار ضخامة الموارد النفطية.
القطاع العام كصمام اجتماعي شديد الكلفة
مع محدودية القطاع الخاص الإنتاجي، تحول التوظيف الحكومي تدريجياً إلى أحد أهم أدوات توزيع الريع وضمان الاستقرار الاجتماعي. لكنها آلية تولّد التزاماً مالياً يصعب تعديله عند الأزمات.
يقدّر صندوق النقد أن الأجور والتقاعد بلغت نحو 22% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، مع توقع ارتفاعها إلى نحو 24% في 2025، فيما قد تصل حصتها إلى أكثر من نصف إجمالي الإنفاق الحكومي بحلول نهاية العقد إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
وهنا تصبح الهشاشة واضحة: عندما تنخفض الإيرادات النفطية، لا تستطيع الحكومة تخفيض الرواتب والتقاعد بالسرعة نفسها، فتنتقل عملية التكيف عادة إلى الاستثمار العام. تُؤجل المشاريع، وتتراكم المستحقات، ويتباطأ الإنفاق على الطرق والإسكان والماء والكهرباء.
وقد ظهر ذلك بالفعل في 2024 عندما قدّر صندوق النقد المتأخرات المحلية بنحو 14 تريليون دينار، تركز جزء منها في الوقود والكهرباء والنفقات الرأسمالية. وهذا يعني أن الصدمة النفطية تتحول في النهاية إلى طرق غير مكتملة، ومشاريع متوقفة، وفرص عمل مفقودة؛ أي إنها تتحول من أزمة مالية إلى أزمة عمرانية.
الصناعة والزراعة: الوسادة التي لم تنضج
لا يمكن مطالبة النفط وحده بتمويل كل شيء ثم استغراب هشاشة الاقتصاد أمام اضطراب النفط. البديل هو بناء قطاعات تنتج الدخل والعمل والسلع خارج دورة الريع.
لكن الزراعة العراقية ما تزال صغيرة مقارنة بإمكانات البلاد، إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن قيمتها المضافة تدور حول بضعة بالمئة من الناتج، في وقت تواجه فيه الزراعة ضغوطاً متزايدة من شح المياه وتفتت الحيازات وضعف التقنيات والإنتاجية. كما أن اعتماد العراق على الواردات الغذائية يجعله معرضاً لصدمات الأسعار وسلاسل الإمداد الخارجية.
والحال نفسه ينطبق على الصناعة التحويلية. فالمشكلة ليست غياب النشاط الصناعي تماماً، بل عجزه حتى الآن عن تكوين قاعدة تصديرية وتوظيفية تستطيع موازنة ثقل النفط.
مضيق هرمز: حين تتحول الجغرافيا إلى مخاطرة مالية
مضيق هرمز ليس ممراً بحرياً عادياً. ففي النصف الأول من 2025 عبره نحو 20.9 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية، أي قرابة 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل البترولية وحوالي ربع تجارة النفط البحرية العالمية. ولا تستطيع خطوط الأنابيب البديلة القائمة في المنطقة استيعاب كامل هذه الكميات إذا تعطل المضيق.
بالنسبة للعراق، تبدو المسألة أكثر حساسية. ففي 2024 تجاوز متوسط صادراته النفطية البحرية 3.2 ملايين برميل يومياً، وخرجت جميع الصادرات البحرية تقريباً من الموانئ الجنوبية في الخليج، في وقت كان فيه خط العراق–تركيا متوقفاً. وكانت الطاقة التشغيلية التصديرية للموانئ الجنوبية تُقدّر بنحو 3.4 ملايين برميل يومياً.
أي أن الدولة التي تموَّل موازنتها أساساً من النفط كانت تعتمد، عملياً، على سلسلة جغرافية شديدة التركّز: حقول الجنوب، ثم شبكة الأنابيب إلى البصرة، ثم المنصات البحرية، ثم الخليج، ثم هرمز.
ولم يعد هذا الاحتمال تمريناً نظرياً فقط. فقد كشفت أزمة 2026 مقدار الانكشاف العراقي أمام الممر؛ إذ انخفضت الصادرات العراقية العابرة له في أبريل/نيسان إلى نحو 10 ملايين برميل خلال الشهر، مقابل متوسط سابق كان يقارب 93 مليون برميل شهرياً، بالتزامن مع تعطل الملاحة وارتفاع تكاليف التأمين.
إنها تجربة عملية لمعنى «غياب الوسادة»: حدث يقع خارج الحدود العراقية يمكنه أن يخفض قدرة الدولة على تسويق موردها الأساسي خلال أسابيع.
ماذا يحدث عندما تُصاب قناة التصدير؟
السلسلة السببية هنا مهمة. توقف الصادرات لا يعني فقط فقدان قيمة البراميل التي لم تُبع.
المرحلة الأولى هي انخفاض الإيرادات النفطية الداخلة إلى الخزانة. بعدها تتسع فجوة التمويل في الموازنة، بينما تستمر الرواتب والتقاعد والنفقات الأساسية. وإذا استمر التعطل، تبدأ الدولة بتأجيل النفقات الأقل إلزاماً، وفي مقدمتها كثير من المشاريع الاستثمارية.
في الوقت نفسه تتباطأ تدفقات العملة الأجنبية الناتجة عن بيع النفط. يستطيع البنك المركزي استخدام احتياطياته لتخفيف الأثر والحفاظ على تمويل التجارة، ولذلك لا ينبغي تصوير الأمر كأن الدينار سينهار بمجرد توقف بعض الناقلات. لكن كلما طال الانقطاع ارتفعت كلفة حماية الاستقرار الخارجي.
ثم تظهر الحلقة الثالثة: العراق اقتصاد مستورد بدرجة كبيرة للسلع الاستهلاكية ومدخلات الإنتاج. وإذا ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين أو تعرضت الموانئ وسلاسل الإمداد للاضطراب، تظهر ضغوط إضافية على الأسعار.
هكذا تنتقل الصدمة من المضيق إلى الناقلة، ومن الناقلة إلى الموازنة، ومن الموازنة إلى المشروع، ومن المشروع إلى المدينة والعامل والأسرة.
حين يصبح التخطيط العمراني ضحية صامتة
من منظور التخطيط الإقليمي، الأخطر أن هذه الهشاشة ليست موزعة بالتساوي.
فالبصرة تجمع النفط والموانئ والصناعات المرتبطة بالطاقة والخدمات اللوجستية في مساحة اقتصادية واحدة. والفاو مرشحة لأن تصبح عقدة أكبر مع تطور الميناء وطريق التنمية. هذا التركّز يمنح الجنوب أهمية استراتيجية، لكنه يعني أيضاً أن الإقليم يحمل نسبة مرتفعة من المخاطر الوطنية.
المدينة أحادية الوظيفة تشبه الاقتصاد أحادي المورد. فإذا ارتبطت العمالة والدخل والأراضي والنشاط التجاري والمقاولات بنشاط رئيسي واحد، يصبح التراجع في هذا النشاط صدمة مكانية تتجاوز المؤسسة المنتجة نفسها.
لذلك لا يكفي تطوير البصرة باعتبارها «عاصمة النفط». المطلوب تحويلها مع الفاو إلى إقليم اقتصادي متعدد الوظائف يجمع البتروكيميائيات والصناعة التحويلية والخدمات البحرية واللوجستية والتجارة والصناعات الغذائية والخدمات المتقدمة، بحيث يصبح النفط قاعدة لبناء اقتصاد إقليمي متنوع لا نهاية الاقتصاد ذاته.
الموانئ والطرق البديلة: التمييز بين نوعين من الهشاشة
هنا يجب التمييز بين أمرين كثيراً ما يختلطان: هشاشة صادرات النفط، وهشاشة التجارة واللوجستيات.
ميناء الفاو الكبير وطريق التنمية يستطيعان معالجة جزء مهم من الهشاشة اللوجستية وتحويل العراق إلى عقدة للترانزيت الإقليمي، لكنهما لا يشكلان وحدهما بديلاً نفطياً عن مضيق هرمز؛ فالفاو نفسه يقع على الخليج.
وقد أُنجزت الأرصفة الخمسة الأساسية للميناء، فيما تتقدم بقية مكونات المشروع. أما طريق التنمية فيستهدف إنشاء محور بري وسككي يمتد قرابة 1,200 كيلومتر من الفاو نحو تركيا، وتقدر كلفته المخططة بنحو 17 مليار دولار. وينظر البنك الدولي إلى المشروع بوصفه فرصة لزيادة التجارة وبناء صناعات ذات قيمة مضافة حول الممر، لا مجرد طريق لنقل البضائع.
أما تنويع صادرات النفط فيحتاج قبل كل شيء إلى شبكة خطوط أنابيب برية ذات طاقات معتبرة نحو البحر المتوسط. وقد عادت الصادرات عبر خط كركوك–جيهان في 2026 بمستويات أولية تبلغ نحو 170 ألف برميل يومياً مع خطط للزيادة، لكنها تظل محدودة بالمقارنة مع ملايين البراميل التي اعتاد العراق تصديرها من الجنوب.
هذا هو معنى «التكرار الاستراتيجي» أو Redundancy في التخطيط: لا يكفي امتلاك طريق ناجح؛ بل يجب امتلاك طريق ثانٍ قادر على العمل عندما يفشل الأول.
دروس من دول بنت وسائدها
النرويج: فصل النفط عن الموازنة
قوة النموذج النرويجي ليست في وجود صندوق ضخم فحسب، بل في القاعدة التي تحكم العلاقة بين النفط والإنفاق. فقد بلغت قيمة صندوق التقاعد الحكومي العالمي نحو 22.7 تريليون كرونة نرويجية في نهاية النصف الأول من 2026. وتُحوّل الإيرادات النفطية الحكومية إلى الصندوق، بينما ترتبط التحويلات إلى الموازنة على المدى الطويل بالعائد الحقيقي المتوقع، المقدر بنحو 3%.
أي أن الدولة لا تتصرف في كل دولار نفطي بوصفه دخلاً متاحاً للإنفاق فوراً.
تشيلي: فك الارتباط بين النحاس والإنفاق
وتقدم تشيلي درساً أقرب من الناحية الهيكلية. فقد بنت قاعدة مالية تحسب الإيرادات وفق سعر النحاس في الأجل المتوسط ومستوى النشاط الاقتصادي الهيكلي، لا وفق ذروة السعر الآني. وتُستخدم فوائض السنوات الجيدة لبناء صندوق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، الذي يمكن السحب منه عند انخفاض النمو أو أسعار النحاس. وقد ساعد ذلك في الحد من انتقال دورات أسعار السلعة الأساسية مباشرة إلى الإنفاق الحكومي.
الدرس ليس أن العراق يجب أن ينسخ النرويج أو تشيلي حرفياً؛ بل أن السياسة المالية يجب أن تمنع سعر النفط اليوم من تحديد مستوى الإنفاق الدائم غداً.
نحو بناء الوسادة العراقية
إعادة بناء المرونة الاقتصادية العراقية تتطلب عملاً متوازياً في أربعة مستويات.
أولاً، مالياً، يحتاج العراق إلى صندوق استقرار حقيقي بقواعد قانونية واضحة للإيداع والسحب، وإلى اعتماد سعر نفط محافظ في بناء الموازنة. الهدف ليس تجميد الأموال، وإنما منع تحويل الارتفاع المؤقت في النفط إلى التزامات جارية دائمة لا تستطيع الدولة خفضها عند الهبوط.
ثانياً، لوجستياً، يجب بناء شبكة لا ممراً واحداً: تطوير خطوط التصدير الشمالية، ودراسة مسارات المتوسط، وتحديث الشبكة الداخلية التي تربط حقول الجنوب بالشمال، بالتوازي مع استكمال الفاو وطريق التنمية وشبكة السكك. وقد وافق البنك الدولي في 2025 و2026 على تمويلات كبيرة لتحديث السكك وممرات الطرق العراقية، وهو ما يعكس الأهمية الاقتصادية للتكامل بين النقل والتنويع الإنتاجي.
ثالثاً، إنتاجياً، ينبغي تحويل الجنوب من منطقة استخراج وتصدير إلى منظومة صناعية ولوجستية. فالنفط يمكن أن يكون مدخلاً للبتروكيميائيات والأسمدة والصناعات الكيميائية، والميناء يمكن أن يصبح نقطة جذب لمناطق صناعية ومخازن وخدمات نقل وإعادة تصدير، وطريق التنمية يمكن أن يولد مدناً ومراكز إنتاج جديدة إذا ارتبط بسياسة مكانية واعية.
ورابعاً، مؤسسياً، لا تنجح أي وسادة من دون قواعد تمنع السياسة اليومية من استهلاكها. فالصندوق السيادي الذي يمكن تفريغه عند أول عجز ليس صندوق استقرار، وخط الأنابيب الذي لا تُحسم إدارته القانونية ليس بديلاً استراتيجياً، والميناء الذي لا يرتبط بالسكك والصناعة يبقى بنية نقل أكثر منه مشروعاً للتحول الاقتصادي.
خاتمة: من الهشاشة إلى المرونة
الاقتصاد العراقي يشبه سيارة ذات محرك هائل، لكنها تعمل منذ عقود بمنظومة امتصاص صدمات أضعف كثيراً من قوة محركها. النفط منح العراق الإيرادات، لكنه لم يمنحه تلقائياً المرونة. والبصرة منحته منفذاً بحرياً، لكنها لم تمنحه تلقائياً تعدد المنافذ. والاحتياطيات منحته قدرة مهمة على الدفاع عن الاستقرار النقدي، لكنها ليست بديلاً عن صندوق مالي ولا عن اقتصاد منتج.
ومضيق هرمز ليس سبب الهشاشة العراقية بقدر ما هو الاختبار الذي يكشفها. المشكلة ليست أن الممر يمكن أن يُغلق؛ فالجغرافيا والجيوسياسة لا يمكن إلغاؤهما. المشكلة أن إغلاق ممر واحد يستطيع أن يؤثر في الجزء الأكبر من المورد الذي يمول دولة كاملة.
من هنا فإن مفهوم «الوسادة الماصة للصدمات» يجب أن ينتقل من المجاز إلى السياسة العامة: صندوق استقرار يحمي الموازنة، احتياطيات تحمي العملة، خطوط أنابيب متعددة تحمي التصدير، صناعة وزراعة تحمي الإنتاج، قطاع خاص يحمي سوق العمل، وتخطيط إقليمي يمنع المدن من التحول إلى رهائن لوظيفة اقتصادية واحدة.
الدولة المرنة ليست الدولة التي لا تتعرض للصدمات، بل الدولة التي تستطيع أن تتعرض لها من دون أن تتحول كل صدمة خارجية إلى أزمة مالية، وكل أزمة مالية إلى توقف للمشاريع، وكل توقف للمشاريع إلى أزمة حضرية واجتماعية.
ولهذا فإن التحدي العراقي الحقيقي ليس انتظار هدوء الخليج أو استقرار أسعار النفط. التحدي هو بناء اقتصاد يستطيع الاستمرار عندما لا تكون البحار هادئة، ولا تكون أسعار النفط مرتفعة، ولا يكون الطريق الوحيد إلى السوق العالمية مفتوحاً دائماً. عندها فقط تتحول الثروة النفطية من مصدر للهشاشة إلى قاعدة لبناء المرونة.


