بلد نفطي وشعب قلق ثقل التركة وضيق الفرص

بلد نفطي وشعب قلق وأزمة الدولة الوظيفية في العراق
يناقش المقال أزمة الدولة العراقية بعد عام 2003، من هيمنة الاقتصاد الريعي وتسييس الإدارة العامة إلى ضعف الثقة والمؤسسات، مؤكداً أن الحل يبدأ بالانتقال من دولة السلطة والريع إلى دولة الوظيفة العامة والحكم الرشيد....

بلد نفطي وشعب قلق أمام سؤال الدولة

بلد نفطي وشعب قلق؛ هذه المفارقة تختصر جانباً كبيراً من الأزمة العراقية الراهنة. فالتحديات التي تواجه المجتمع العراقي لا تتعلق بالواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي فقط، بل تمتد إلى مستوى الثقة بالنظام السياسي والإداري، وإلى قدرة الدولة نفسها على أداء وظيفتها الوطنية.

ولذلك، فإن البحث عن الحلول المناسبة يتطلب فهماً أعمق لطبيعة الدولة، بوصفها كياناً حضارياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً مركباً، تتفاعل داخله القيم والمؤسسات والاقتصاد والسلطة. ومن دون هذا الفهم، تبقى المعالجات سطحية، وتظل الشعارات الإصلاحية عاجزة عن إنتاج أثر حقيقي في حياة المواطنين.

من دولة السلطة والريع إلى دولة الوظيفة العامة

تحتاج العراق إلى الانتقال من دولة السلطة والريع إلى دولة الوظيفة العامة والمعنى المؤسسي.

فالدولة لا تكتسب شرعيتها من امتلاك الموارد فقط، ولا من السيطرة على الأجهزة الإدارية، بل من قدرتها على تقديم الخدمات العامة، وتوفير أساسيات الحياة الاقتصادية الكريمة للمواطنين.

وتشمل هذه الوظيفة توفير فرص العمل، ودعم التنمية المستدامة، ورفع كفاءة الإدارة العامة،

وتعزيز قدرة المؤسسات على خدمة المجتمع. فالكفاءة الوظيفية للدولة تمثل معياراً أساسياً لشرعيتها واستمرارها،

لا سيما عندما يضيق أفق الفرص أمام المواطنين، وتتسع فجوة الثقة بين المجتمع والسلطة.

إشكالية الدولة العراقية بعد عام 2003

تواجه الدولة العراقية منذ عام 2003 إشكالية مركبة تتجاوز تعاقب الحكومات وتبدل التحالفات السياسية.

فالسمة الأبرز في التجربة السياسية بعد ذلك العام هي غياب الدولة الوطنية الوظيفية، وضعف الأداء المؤسسي الفعال.

وقد أدى هذا الخلل البنيوي إلى تراكم الأزمات في مختلف القطاعات، وتحول الحكومات إلى إدارات للأزمات المتتالية،

لا سلطات قادرة على بناء نموذج سياسي واقتصادي حديث، كما يفترض أن ينسجم مع روح الدستور العراقي لعام 2005.

وبذلك تشكل نموذج مشوه للدولة؛ دولة قائمة شكلياً، لكنها عاجزة وظيفياً عن أداء أدوارها الأساسية.

الدولة القائمة شكلياً والعاجزة وظيفياً

تتجلى أزمة الدولة العراقية في منظومة العلاقات والمصالح والمؤسسات والآليات التي يدار من خلالها الشأن العام.

فالدولة الفاعلة تحتاج إلى كفاءة، ومصداقية، وشفافية، ونزاهة، ومساءلة، وتكافؤ فرص، وعمل إداري نزيه.

لكن الواقع العراقي أظهر، في كثير من المراحل، تداخلاً بين السلطة السياسية والمصالح الحزبية والشخصية،

وضعفاً في استقلالية المؤسسات التنفيذية والرقابية، وتغليباً لمنطق التوازنات السياسية على منطق الكفاءة والوظيفة العامة.

وهذا ما جعل الدولة تبدو قوية في توزيع المناصب والموارد، لكنها ضعيفة في تقديم الخدمات، وفرض القانون، وبناء الثقة العامة.

هل يكفي تشخيص عجز الحكومات؟

لا يكفي أن نطرح عجز الحكومات السابقة ومظاهر ضعف الدولة الوظيفية،

بل يجب أن ننتقل إلى طرح البدائل والحلول القادرة على النهوض بالدولة العراقية.

فالمطلوب ليس فقط وصف الأزمة، بل تقديم دعم فكري وسياسي للتحول من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة.

ويتطلب ذلك حصر التحديات بدقة، وتحديد سبل معالجتها،

والتمييز بين ما هو خلل إداري عابر وما هو عطب بنيوي في طريقة الحكم وإدارة الموارد والقرار العام.

فالأزمة العراقية لا تكمن في نقص الموارد وحده،

بل في ضعف تحويل هذه الموارد إلى نتائج إيجابية وملموسة في التعليم والصحة والعمل والخدمات والبنية التحتية.

مؤشرات ضعف الدولة الوظيفية

يتجلى ضعف الدولة الوظيفية في العراق عبر مجموعة واسعة من المؤشرات المتداخلة.

في مقدمتها عجز السياسات العامة عن التحول إلى نتائج ملموسة، رغم توافر موارد اقتصادية كبيرة متأتية من القطاع النفطي.

كما يظهر الضعف في تشتت القرار الوطني السياسي والاقتصادي، وتفكك القرار التنفيذي بين مراكز القوى الرسمية وغير الرسمية.

ويضاف إلى ذلك تآكل الثقة المجتمعية، بما انعكس على احترام القانون، وعلى المشاركة السياسية والاجتماعية، وعلى علاقة المواطن بالمؤسسات.

وعندما تفقد الدولة ثقة مواطنيها، يصبح تنفيذ أي سياسة عامة أكثر صعوبة، حتى لو كانت تلك السياسة صحيحة من الناحية النظرية.

هيمنة الاقتصاد الريعي وتعطيل الإصلاح

أمام هيمنة الاقتصاد الريعي، تصبح عملية الإصلاح أكثر تعقيداً. فالريع لا يكتفي بتمويل الدولة،

بل يعيد تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع. إذ تتحول الدولة إلى موزع للموارد والوظائف، لا إلى منظم للإنتاج والتنمية.

وهذا النمط يعطل آليات المحاسبة، ويغذي الفساد المالي والإداري، ويفتح الباب أمام تسييس الإدارة العامة.

كما يحول الوظيفة الحكومية من أداة خدمة عامة إلى أداة توزيع ولاءات، ومن موقع مهني إلى امتياز سياسي أو حزبي.

وبذلك، يصبح الإصلاح تهديداً لشبكات مصالح واسعة، لا مجرد قرار إداري يحتاج إلى توقيع.مسؤولية أي حكومة أمام مقاومة الفوضى

أي حكومة عراقية ستجد نفسها أمام تحديات كبيرة ومعقدة ومركبة. لكنها، في الوقت نفسه،

تتحمل مسؤولية طرح برامج طموحة للإصلاح، حتى لو واجهت مقاومة من المنتفعين من الفوضى.

ويتطلب الإصلاح الجاد الإسراع في التنفيذ، وامتلاك القدرة على فرض القرار،

وتحميل الجهات التي تعرقل الإصلاح مسؤولية سياسية وإدارية واضحة.

فلا يمكن أن تبقى الحكومات تعلن الخطط ثم تتراجع أمام الضغوط، أو تبرر الإخفاق دائماً بحجم التحديات.

إن الحكومة التي تريد بناء دولة وظيفية يجب أن تجعل معيار نجاحها هو الإنجاز المؤسسي،

لا مجرد الحفاظ على التوازنات السياسية بين المكونات والأحزاب.

إعادة تعريف دور الدولة الوطنية

تبدأ المعالجة الجدية من إعادة تعريف دور الدولة الوطنية.

فالعراق يحتاج إلى انتقال حتمي من دولة الرعاية الريعية إلى دولة الوظيفة العامة الفاعلة،

مع إعطاء أولوية حقيقية لنشاط القطاع الخاص، ضمن رقابة الدولة، واقتصاد اجتماعي ينسجم مع المادة 25 من الدستور العراقي.

ولا ينبغي أن يكون هذا التحول شعاراً سياسياً فقط، بل يجب أن يصبح برنامج عمل حكومي متكاملاً وشاملاً بين جميع القطاعات.

فالدولة الحديثة لا تعني انسحاب الدولة من الاقتصاد، ولا سيطرة الدولة على كل شيء،

بل تعني إدارة رشيدة توازن بين المبادرة الخاصة والعدالة الاجتماعية والمصلحة العامة.

القطاع الخاص والتنمية الشاملة

إن دعم القطاع الخاص لا يعني فتح الباب أمام الاحتكار أو الفوضى أو الخصخصة غير المنضبطة.

بل يعني بناء بيئة إنتاجية قادرة على خلق فرص العمل، وتشجيع الاستثمار، وتوسيع قاعدة الاقتصاد، وتقليل الضغط على الوظيفة الحكومية.

ولذلك، يجب أن يرتبط دور القطاع الخاص برقابة مؤسسية واضحة، ومعايير شفافة،

وقوانين تمنع الفساد والاحتكار، وتحمي حقوق العاملين، وتضمن مساهمة هذا القطاع في التنمية الشاملة والمستدامة.

فالمطلوب ليس اقتصاداً منفلتاً، ولا دولة ريعية مترهلة، بل اقتصاداً وطنياً متوازناً يجعل الإنتاج والعمل والكفاءة أساساً للنمو.

فصل إدارة الدولة عن الصراع السياسي

تحتاج العراق إلى مشروع ورؤية وطنية متكاملة لفصل الإدارة الوطنية للدولة عن الصراع السياسي.

ويتطلب ذلك إصلاحات قانونية في الخدمة العامة، وحماية الموظف المهني من الضغوط السياسية والحزبية،

واعتماد نظام جديد للتعيين والمحاسبة والمساءلة.

كما يجب اعتماد مؤشرات أداء واضحة، ومحاسبة المسؤولين على أساس النتائج، لا على أساس الولاء أو المحاصصة.

وينبغي كذلك تعزيز استقلال القضاء فعلياً، وربط النزاهة والشفافية بالنتائج العملية، لا بالشعارات والتصريحات الإعلامية.

فالدولة التي تكافئ الفشل الإداري بنقل المسؤول إلى موقع آخر لا تبني مؤسسات، بل تعيد تدوير العجز داخل هياكلها.

الحكم الرشيد بوصفه عقداً وطنياً

تقوم فكرة الدولة الوطنية الحضارية على الحكم الرشيد، لا بوصفه برنامج حكومة واحدة،

بل بوصفه عقداً سياسياً ملزماً وشراكة وطنية شاملة بين المجتمع والسلطة.

ويشمل هذا العقد حماية الوظيفة العمومية من التدخل السياسي، وتفعيل القوانين،

وإنشاء وحدات قياس أداء داخل الوزارات والمؤسسات الحكومية، وربط بقاء السلطة التنفيذية والتشريعية بمؤشرات إنجاز واضحة.

فالمواطن لا يحتاج إلى وعود متكررة، بل يحتاج إلى دولة تقيس نتائجها، وتعترف بفشلها،

وتصحح مسارها، وتتعامل مع المنصب العام بوصفه مسؤولية لا غنيمة.

من ثقافة الريع إلى ثقافة المساءلة

النتيجة المطلوبة هي تحقيق تحول تدريجي نحو حكم رشيد عادل، واقتصاد إنتاجي يقلل سطوة السياسة وسطوة الريع.

وهذا التحول لا يتحقق دفعة واحدة، لكنه يبدأ عندما تصبح المساءلة جزءاً من بنية الحكم، لا مجرد إجراء استثنائي عند الأزمات.

كما يبدأ عندما تتحول المحاسبة من أداة انتقام سياسي إلى ممارسة مؤسسية عادلة،

تشمل الفشل الإداري، والهدر المالي، وسوء التخطيط، وتعطيل المشاريع، وتسييس الوظيفة العامة.

وعندها فقط يمكن بناء عقد حوكمة وطني طويل الأمد، يعيد الثقة بين المجتمع والدولة،

ويفتح الطريق أمام عراق لا يعيش قلقه رغم ثروته، بل يحول ثروته إلى فرص وكرامة واستقرار.

خاتمة: الثروة لا تكفي لبناء الدولة

في المحصلة، لا تكفي الثروة النفطية لبناء دولة ناجحة إذا غابت الوظيفة العامة الفاعلة، وضعفت المؤسسات،

وتحولت الإدارة إلى امتداد للصراع السياسي. فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات،

بل إلى دولة قادرة على تحويل مواردها إلى خدمات، وفرص عمل، وتنمية مستدامة، وثقة عامة.

إن بلد نفطي وشعب قلق ليس قدراً نهائياً، بل نتيجة لمسار يمكن تغييره إذا امتلكت الدولة إرادة الإصلاح،

وبنت مؤسساتها على الكفاءة والمساءلة والشفافية. فمستقبل العراق لن تصنعه الموارد وحدها،

بل تصنعه دولة تعرف كيف تدير تلك الموارد لصالح المواطن والجيل القادم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *