1-1: الاستهلال والمقدمة
يُعد العراق واحداً من الدول الغنية بالموارد الهيدروكربونية، حيث تشير التقديرات إلى امتلاكه احتياطيات غازية ضخمة تتجاوز 130 تريليون قدم مكعب. ومع ذلك، شهد شهر نيسان من عام 2026 تناقضاً حاداً بين الأرقام الرسمية التي تؤكد “وفرة الإنتاج” وبين الواقع الميداني الذي سجل طوابير طويلة أمام منافذ التوزيع، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول كفاءة سلاسل الإمداد والسياسات الاستثمارية المتبعة.
1-2: مؤشرات الإنتاج المحلي (الواقع الرقمي)
تؤكد بيانات وزارة النفط في نيسان 2026 أن معدلات الإنتاج وصلت إلى مستويات قياسية:
2-1-1: حجم الإنتاج اليومي: تراوح بين 4700) – 5000) طن من الغاز السائل .
2-1-2: الطاقة التوزيعية :ارتفع عدد الأسطوانات المجهزة من 120 ألف إلى 180 ألف أسطوانة يومياً في العاصمة بغداد وحدها.
2-1-3: الاستثمار المصاحب: وصلت نسبة استثمار الغاز المصاحب إلى ما يقارب 75%، مع ترقب تشغيل مشاريع جديدة (مثل حقل بن عمر) بطاقة 70 مليون قدم مكعب قياسي يومياً.
1-3 : تشخيص أزمة نيسان 2026 (الفجوة الهيكلية)
رغم الأرقام المطمئنة في فقرة (1-2) أعلاه، تفاقمت الأزمة في نيسان 2026 نتيجة عدة عوامل بنيوية ولوجستية:
3-1-1: التحول الاستثماري في التوزيع: أثارت إحالة ملف توزيع الغاز إلى شركات استثمارية خاصة ارتباكاً في سلسلة التوريد، حيث لم تكن الترتيبات الانتقالية كافية لضمان سلاسة التوصيل للمواطنين.
3-1-2: عوامل احتكارية ومضاربات: استغل بعض الناقلين والتجار حالة القلق الشعبي لافتعال أزمات مصطنعة، مما أدى لظهور “سوق سوداء” تضاعفت فيها الأسعار رغم توفر المادة في المستودعات الحكومية.
3-1-3: زيادة الطلب الموسمي: شهد نيسان ارتفاعاً في الاستهلاك المنزلي والتجاري (المطاعم والمخابز)، مما كشف عن “هشاشة” في منظومة التوزيع الذكية المعتمدة حديثاً.
1-4: الإجراءات الحكومية وآليات المعالجة
لمواجهة الأزمة، اتخذت الجهات المعنية سلسلة من الخطوات التنظيمية:
4-1-1: نظام “الكوبون” الرقمي : تفعيل آلية تضمن لكل عائلة الحصول على أسطوانتين شهرياً لمنع الاحتكار.
4-1-2: تعزيز الرقابة :تكثيف الجولات التفتيشية على الناقلين لضمان الالتزام بالتسعيرة الرسمية ومحاربة المضاربين.
4-1-3: تطوير البنية التحتية :العمل على تقليل الهدر (الحرق) الذي لا يزال يستنزف نحو 40% من الغاز المنتج، والتوجه نحو الاكتفاء الذاتي الكامل بحلول عام 2029.
4-1-4: دعم القطاع المهني والخدمي (المطاعم والصناعات الصغيرة)
يُمثل توفير الغاز السائل لأصحاب المهن والمطاعم ركيزة أساسية في استقرار الأمن الغذائي والاقتصادي، ويمكن تحليل هذا الدور من خلال النقاط الآتية:
4-1-4-1: كبح جماح التضخم السلعي :يعد الغاز مدخلاً إنتاجياً أساسياً في قطاع الخدمات والمطاعم والمخابز. إن ضمان تدفق الأسطوانات بأسعار مدعومة يمنع ارتفاع تكاليف التشغيل، مما ينعكس إيجاباً على استقرار أسعار الوجبات والمنتجات النهائية للمستهلك، ويحد من مؤشرات التضخم في سلة الغذاء اليومية.
4-1-4-2: السيطرة على كلف الإنتاج: تهدف السياسات التوزيعية الموجهة لأصحاب المهن إلى قطع الطريق أمام “المضاربات” في السوق السوداء؛ فمن خلال تأمين حصص ثابتة ومنتظمة، يتم تحصين أصحاب المصالح الصغيرة من تذبذب الأسعار، مما يضمن استمرارية النشاط الاقتصادي دون تحميل المواطن أعباءً إضافية.
4-1-4-3: تعزيز الحماية الاجتماعية والاقتصادية: يدعم توفير الغاز المدعوم استقرار الأيدي العاملة في هذا القطاع الحيوي، حيث يمنع تعثر المشاريع الصغيرة التي قد تضطر للإغلاق أو تسريح العمالة في حال فقدان السيطرة على تكاليف الطاقة.
4-1-4-4: آليات التجهيز والرقابة: يتطلب هذا الدعم تفعيل نظام “البطاقة المهنية” لضمان وصول الغاز إلى مستحقيه الفعليين من أصحاب الإجازات الرسمية، ومنع تسرب الحصص المدعومة إلى قنوات غير قانونية، بما يضمن التوازن بين العرض والطلب في السوق المحلية.
1-7 : ملف الغاز المصاحب المحروق (التحديات والآثار)
7-1-1: هدر الثروة السيادية :يُصنف العراق كواحد من أكثر الدول حرقاً للغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط؛ حيث يتم حرق كميات هائلة تقدر بمليارات الأمتار المكعبة سنوياً، وهي طاقة ضائعة كان من الممكن أن تسد حاجة البلاد من وقود محطات الكهرباء وتغنيها عن الاستيراد الخارجي.
7-1-1: التداعيات الاقتصادية وفرص الضياع: يتسبب الحرق المستمر في خسائر مالية تقدر بمليارات الدولارات سنوياً (كلفة الغاز المحروق + كلفة استيراد الغاز البديل). استثمار هذا الغاز يمثل “فرصة بديلة” لدعم الموازنة العامة وتحويل قطاع الطاقة من قطاع ريعي مستهلك إلى قطاع إنتاجي متكامل.
7-1-1: الأثر البيئي والمناخي :يُعد حرق الغاز مصدراً رئيساً لانبعاثات الكربون والميثان والغازات الدفيئة، مما يساهم بشكل مباشر في ظاهرة الاحتباس الحراري وزيادة التلوث البيئي في المناطق القريبة من الحقول النفطية (خاصة في البصرة)، وهو ما يتعارض مع الالتزامات الدولية للعراق في “اتفاقية باريس للمناخ”.
7-1-1: عجز الطاقة والحلول التكنولوجية: تعاني المنظومة الكهربائية من فجوة كبيرة بسبب نقص الوقود الغازي، مما يفرض ضرورة الإسراع في بناء وتطوير وحدات المعالجة المركزية (Central Processing Facilities) القادرة على تنقية الغاز من الشوائب والكبريت وتحويله إلى غاز جاف صالح للاستخدام الصناعي والمنزلي.
7-1-1: الخطط الاستراتيجية للاستثمار: تهدف السياسة النفطية الحديثة إلى الوصول لـ “صفر حرق” (Zero Routine Flaring) بحلول عام 2030، من خلال تفعيل مشاريع كبرى (مثل مشروع غاز البصرة ونماء وغاز الجنوب) التي تهدف إلى تجميع ومعالجة الغاز المصاحب وتحويله إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
1-8:الخلاصة والتوصيات
الخلاصة :يُشكل استمرار حرق الغاز المصاحب في العراق “فجوة اقتصادية وبيئية” تعطل مسارات التنمية المستدامة؛ فبينما يمتلك العراق موارد غازية كافية لتحقيق الاكتفاء الذاتي التشغيلي، يؤدي الهدر الحالي إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد الخارجي واستنزاف العملة الصعبة، فضلاً عن الآثار الصحية والبيئية الوخيمة على المناطق المحيطة بالحقول.
التوصيات المقترحة:
تسريع الجداول الزمنية للاستثمار: ضرورة إلزام الشركات النفطية الأجنبية والمحلية بمدد زمنية صارمة لإنجاز مشاريع تجميع الغاز، مع ربط تراخيص استخراج النفط بمدى التقدم في تقليل نسب الحرق.
التحول نحو الطاقة الخضراء: توجيه الاستثمارات نحو تقنيات احتجاز الكربون وتسييل الغاز (NGL) لاستخدامه في الصناعات البتروكيماوية، مما يرفع من القيمة المضافة للموارد المستخرجة.
تطوير الشبكة الوطنية لنقل الغاز: البدء بتحديث خطوط الأنابيب الاستراتيجية لضمان مرونة نقل الغاز المعالج من حقول الجنوب إلى محطات توليد الكهرباء والمجمعات الصناعية في الوسط والشمال.
تفعيل التشريعات البيئية: فرض عقوبات مالية تصاعدية على عمليات الحرق الروتينية غير المبررة، وتخصيص جزء من عوائد استثمار الغاز لتنمية المجتمعات المحلية المتضررة بيئياً.
جذب الاستثمارات التكنولوجية: تعزيز الشراكات مع الشركات العالمية المتخصصة في تكنولوجيا “صفر حرق” لتحويل الغاز المصاحب إلى طاقة نظيفة بأقل كلفة زمنية ممكنة.


