من الهجرة النبوية إلى النهضة الحسينية: التلاحم الرسالي وصياغة الوعي الإنساني الجامع

من الهجرة النبوية إلى النهضة الحسينية التلاحم الرسالي وصياغة الوعي الإنساني الجامع
يربط التلاحم بين الهجرة النبوية والنهضة الحسينية بتأسيس دولة العدل ومقاومة الانحراف، مؤكداً عالمية الحسين، ورفض تزييف الوعي، وتحويل عاشوراء من طقس عاطفي إلى وعي إصلاحي يواجه الفساد والطائفية...

المطلع الرسالي: التلاحم البنيوي والامتداد من الهجرة إلى النهضة

​مع إشراقة الأول من العام الهجري الجديد، تلتقي في الوجدان الإسلامي والإنساني ذكرى حَدَثين مصيريين شكّلا انعطافة كبرى في مسار البشرية: الهجرة النبوية المباركة لرسول الأمة (ص)، وبداية أيام استذكار استشهاد سبطه الإمام الحسين (ع) على يد المنظومة الظالمة. إن هذا التزامن الزمني ليس مجرد التقاء عابر، بل هو ترابط بنيوي وعميق يربط البدايات بالنهايات؛ فلا يمكن قراءة كربلاء قراءة حضارية منصفة بمعزل عن النواة الأولى للرسالة المحمدية.

​لقد كانت الهجرة النبوية خروجاً استراتيجياً من واقع الشرك، والاضطهاد، والتجهيل القبلي في مكة، نحو فضاء المدينة المنورة لتأسيس دولة الرسالة القائمة على العدالة، والمرحمة، وحقوق الإنسان. وعندما انحرف هذا المسار بعد عقود، وتحولت الخلافة إلى ملك عضوض مستبد ينسف قيم الوحي والشورى، جاء خروج الإمام الحسين (ع) ليمثل الامتداد الطبيعي والحامي لثمار تلك الهجرة؛ فكما هاجر النبي (ص) لتأسيس مدنية الإسلام، ثار السبط لإعادة بوصلتها الأخلاقية والسياسية بعد أن أوشكت قوى الاستبداد على طمسها. ومن هذا المنطلق يتجلى المضمون الوجودي لقول الرسول الأكرم: «حسين مني وأنا من حسين»؛ فالحسين فرع من شجرة النبوة، وبدمه صان أصل الرسالة وهجرتها من التشويه، ولولا هذا القيام لشرعن الظلم باسم الدين ولتحول الإسلام إلى أداة لخدمة السلاطين.

​الفلسفة الجوهرية للقيام: من منطلق عرفات إلى أرض كربلاء

​حين عقد الإمام الحسين (ع) العزم على قيامه التاريخي، لم يكن يتحرك بدوافع دنيوية، أو طلبًا لسلطان زائل، أو مغالبة سياسية ضيقة، بل كان تحركه أمراً رسالياً وجب ظهوره في الأرض لإنقاذ عقول الأمة من التدجين وحفظ جوهر الرسالة المحمدية المستوحاة من الله سبحانه وتعالى. ولقد تجلت خطبه وكلماته منذ انطلاقه من مكة بعد إلغاء حجه وتحويله إلى عمرة مفردة، مروراً بمنازل الطريق وصولاً إلى طف كربلاء، كمكاشفة فكرية علنية تحدد معالم حركته الإصلاحية؛ حيث أعلن صراحة محددات هذا القيام بقوله: «إني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر».

​وحين وضعتْه السلطة الجائرة بين خياري الاستسلام المذل أو السيف، أطلق كلمته التي صاغت كبرياء النفس الإنسانية ورفض الخنوع: «ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، وأنوف حمية، ونفوس أبية، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام». إن هذا البيان يؤكد أن النهضة الحسينية انطلقت لتكون دستوراً أبدياً للأحرار ضد التهميش والفساد، وإعلاءً لكرامة الإنسان التي حررها الوحي، وليست مجرد حادثة تاريخية مغلقة.

​الرؤية الغيبية والمسؤولية التاريخية: فلسفة اصطحاب العيال

​في ميزان الحسابات السياسية والعسكرية الضيقة، بدا قرار الإمام الحسين (ع) باصطحاب عائلته ونسائه وأطفاله إلى ساحة المعركة أمراً محيراً ومثيراً للتساؤل؛ وهو ما دفع شخصيات بارزة كعبد الله بن عباس ومحمد بن الحنفية إلى نصحه بتركهم في مكة أو المدينة تجنباً للأسر والمأساة. غير أن رؤية السبط كانت تتحرك وفق هندسة إلهية ومسؤولية تاريخية تتجاوز الحسابات المادية المباشرة، وتتجلى هذه الفلسفة بوضوح في إجابته الحاسمة حين سُئل عن سر إصراره على خروجهم معه وهو يعلم بمصيره، فقال: «شاء الله أن يراني قتيلاً… وشاء الله أن يراهن سبايا».

​إن هذه المشيئة الإلهية والرضا والتسليم بها لم تكن مجرد استسلام للقدر، بل كانت تحديداً دقيقاً للأدوار الرسالية؛ فالقيام الحسيني كان يرتكز على جناحين لا يكتمل أحدهما دون الآخر: جناح الدم والشهادة الذي يمثله الحسين وأصحابه لتفكيك شرعية المستبد، وجناح الإعلام والتنوير الذي تمثله النساء والأطفال بقيادة السيدة زينب والإمام زين العابدين لنقل الحقيقة وفضح الجريمة الأموية ومنع طمسها. لقد كان اصطحاب العيال استباقاً ذكياً لمنع إعلام السلطة من قلب الحقائق أو ترويج أن المعركة كانت معركة خوارج أو متمردين مجهولين، فكان وجود العائلة الهاشمية في قلب المأساة شاهداً حياً لا يقبل التزوير، يحول الأسر من حالة ضعف إلى منصة هجومية أسقطت شرعية العرش في الكوفة والشام.

​الميزان الكوني لسبط النبوة وتفكيك الأطر الضيقة

​إن المحاولة التاريخية لحصر الإمام الحسين (ع) في خندق طائفي ضيق، أو مدرسة مذهبية فرعية مفسرة بمصطلحات وتصنيفات نشأت في عصور لاحقة، هي مغالطة كبرى تناساها الكثير من المسلمين عمومًا. فحين استُشهد السبط عام 61 للهجرة، لم تكن تلك العناوين والخنادق المذهبية قد تبلورت في قاموس الأمة أصلاً، بل كان الحسين (ع) مسلماً أساسياً، وحفيداً مباشراً للنبي (ص)، وابناً حقيقياً لرسالة الإسلام الجامعة.

​وقد وضع الرسول الأكرم محددًا كونيًا لبيان مكانة السبط وعصمته الأخلاقية بقوله المتواتر: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة»؛ فمن يملك هذه السيادة الأخروية بإمضاء إلهي لا يمكن اختزاله في فئة أو مكون، بل هو ملك للإنسانية ولأحرار العالم أجمع. هذا المنظور الحيادي يعيد النهضة الحسينية إلى حجمها الطبيعي كمدرسة جامعة تتعدى الفوارق المصطنعة، وتسحب البساط من تحت أي محاولة لتوظيف الرمزية الدينية في إذكاء الانقسامات المجتمعية.

​الأدوات الإعلامية للسلطة وتزييف الألقاب التاريخية

​لقد عملت الماكينات الإعلامية والسياسية السالفة على صناعة ألقاب ومميزات رمزية زائفة، رُوجت في أوساط العوام بهدف تبرئة شخوص المنظومة الأموية، ومنحهم شرعية وإمرة في مواجهة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب —وصي الرسول وخليفته الشرعي. ومن هذه الألقاب المفتعلة إطلاق تسمية “خال المؤمنين” على معاوية بن أبي سفيان بناءً على مصاهرة أخته أم المؤمنين أم حبيبة، وهو توظيف يزيف الحقائق؛ فالإسلام نسف الرابطة الجاهلية القبلية وجعل الميزان هو العمل والتقوى، وبطلان هذا الاستدلال يظهر جلياً في التفريق التاريخي والتدقيق في الأنساب؛ فمعاوية لم تشفع له قرابته السببية، تماماً كما لم تشفع القرابة النسبية المباشرة لـ أبي لهب الذي كان عمّاً مباشراً للنبي (ص) ونزل الوحي بذمه صراحة لضلاله، وكما لم ينفع المركز القبلي لـ أبي جهل (عمرو بن هشام المخزومي) الذي قاد جبهة التجهيل والشرك في مكة؛ فالإسلام جعل قيم الحق والعدل هي معيار التفاضل لا وشائج الدم والقبيلة.

​وكذلك فرية إضفاء لقب “كاتب الوحي” على معاوية، علماً أنه دخل الإسلام مؤخراً في الفتح (العام الثامن للهجرة)، ولم يعش مع الرسول (ص) سوى فنية صغيرة ووقت قصير جداً قبل وفاته، بينما نزل القرآن واستقر طوال ثلاثة وعشرين عاماً في مكة والمدينة وكان معاوية خلالها في خندق الشرك المحارب للرسالة؛ وإنما كان كاتبًا لبعض الرسائل الدواوينية السياسية للقبائل، فجاء دمج المصطلحات وتخريج الألقاب عمداً لشرعنة الانحراف السياسي وإعطاء حقوق رمزية للمفسدين على حساب أصحاب الحق الحقيقيين.

​ديوان العرب والشهادة الشعرية القاطعة ليزيد

​لأن الشعر عند العرب السالفة كان يمثل ديوانهم، والمحاكاة الحقيقية للتاريخ، والتوثيق الأصدق لما تعنيه الكلمات دون مواربة، فإن الأبيات الشهيرة التي ارتجلها يزيد بن معاوية في قصره بالشام وأمام الرأس الشريف تمثل الوثيقة الدامغة والجريمة الكبرى التي نسفت كل محاولات التبرير؛ إذ أنشد منتشياً وشامتاً بطلب ثأره الجاهلي لقتلى المشركين في معركة بدر على أيدي النبي (ص) وعلي وبني هاشم، قائلاً:

​لَيتَ أَشياخي بِبَدرٍ شَهِدوا … جَزَعَ الخَزْرَجِ مِن وَقْعِ الأَسَلْ

لَأَهَلُّوا وَاسْتَهَلُّوا فَرَحاً … ثُمَّ قالُوا يا يَزيدُ لا تَشَلْ

قَدْ قَتَلْنَا القَرْمَ مِنْ ساداتِهِمْ … وَعَدَلْناهُ بِبَدْرٍ فَاعْتَدَلْ

لَعِبَتْ هاشِمُ بِالمُلْكِ فَلا … خَبَرٌ جاءَ وَلا وَحْيٌ نَزَلْ

لَسْتُ مِنْ خِنْدِفَ إِنْ لَمْ أَنْتَقِمْ … مِنْ بَنِي أَحْمَدَ ما كانَ فَعَلْ

​إن هذه الكلمات تفضح علانية إنكاره للرسالة الإسلامية ونفيه للوحي ونزول السماء، وتحويله الأمر كله إلى صراع ملك ولعبة سياسية وتصفية أحقاد قبلية وثأر لمشركي بدر. ومحاولة حكام ووعاظ العصر الحديث اليوم تبرئته وإلقاء اللائمة على الأدوات التنفيذية كابن زياد وعمر بن سعد بدعوى أنهم تصرفوا دون علمه، تصطدم بهذا الإقرار الشعري الصريح وبمنطق السياسة والدولة التي كافأت القتلة ولم تحاسبهم، لتكشف رغبة الوعاظ في شرعنة طاعة الحاكم المستبد في كل عصر.

​التجهيل الاجتماعي المنظم واختزال الثورة في “الدمعة”

​في الواقع الحديث المعاصر، عمدت المنظومة الحاكمة والأحزاب السياسية إلى استغلال واستثمار هذا القيام الإلهي لصالح بقائها وثبات كراسيها عبر آلية التجهيل الاجتماعي المنظم. لقد نجحت السلطة في تحوير وعي المجتمع وإفراغ الثورة الحسينية من مضامينها الشجاعة الحرة، وتحويلها في عقول الأجيال إلى مجرد دمعة عاجزة، ونحيب، وخنوع، وتغطية ذلك بالمسيرات المليونية وفرش الأرض بموائد الغذاء على طول طرق الاستذكار، حتى أصبحت هي الشغل الشاغل والحديث القائم للمستذكر؛ حيث انحصر تفكيره في أماكن تواجد الطعام والاستهلاك المادي المريح، ليلهو عقله تماماً عن الأسئلة الجوهرية للنهضة وعن رؤية الواقع المتردي من حوله كالمدارس المهدمة والمستشفيات المتهالكة وشح الخدمات وضياع السيادة والمقدرات.

​إن السلطات ترحب بالشعارات اللفظية المفصولة عن السلوك شريطة ألا تتحول إلى حراك وعي حقيقي يحاسب الفاسد؛ لأنهم يدركون أن حسين الشجاعة والقيام يعني الخروج على مفاسدهم، بينما حسين الدمعة والقشور يخدم عروشهم عبر إفراغ شحنة الرفض المجتمعي في طقوس عاطفية مؤقتة تنتهي بانتهاء الموسم.

​قاموس آل البيت: القصاص الإلهي ونبذ منطق الثأر الجاهلي

​إن مدرسة آل بيت محمد (ص) أسمى وأرفع من أن تتبنى أو تطلب ثأرًا قبليًا أو شخصيًا عشوائيًا، بل إن كلمة “الثأر” بمفهومها الانتقامي غير موجودة ومحرمة في قاموسهم ورسالتهم؛ فالإسلام جاء بنظام “القصاص العادل” المرتكز على طاعة الله وأوامره بالدفاع عن النفس والرسالة وبناء دولة المؤسسات والعدل دون أن تزل وازرة وزر أخرى. وخير دليل على نبذ آل البيت لمنطق الثأر هو دخول الرسول الأكرم (ص) مكة فاتحًا في أعلى درجات سلطته؛ فلم يقل “يا لثارات الحمزة” عمه الذي مُثِّل به، ولا “يا لثارات جعفر الطيار”، بل حطم المنطق الجاهلي وأطلق كلمته التاريخية: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» معلنًا إياه يوم المرحمة.

​وكذلك سار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في حروبه بغية التقويم وحقن الدماء؛ فآل البيت كانوا طلاب حق ورسالة لا طلاب ثأر قبلي. وإن الثأر للحسين (ع) بمعناه الحقيقي والرسالي هو إسقاط منظومة الفساد ومحاربة منهجها في كل زمان ومكان، عندما يثور المواطن ضد الفاسد الذي يسرق موازنات بلده ويحرم أطفاله من التعليم، وليس الانتقام من شركاء الوطن بجريمة تاريخية لم يرتكبوها.

​هندسة الاستقطاب وسيكولوجية الخوف المعاصر

​لقد أوجدت السياسات الحديثة والسلطات الفاسدة انقساماً مجتمعياً ممنهجاً عبر إعادة إنتاج “يزيد جديد” و”حسين مشوه”؛ حيث استخدمت شعار الثأر بطريقة طائفية مكوناتية محرمة لخلق عداء وهمي ومستدام داخل المجتمع الواحد عبر سياسة التجهيل الممنهج. ومن خلال هذا المنهج، وضعت السلطة طرفًا في مقام المطالب بالثأر الانتقامي، وصنعت رغماً عنه طرفاً آخر ووضعته في خانة “يزيد” مستغلة الخوف المتبادل والأحقاد الماضوية وسيكولوجية الاستهداف؛ مما جعل بقية المجتمع في بعض المناطق يقعون في فخ الرد المفتعل وتبني الخطاب اليزيدي الدفاعي والوقوف على التل خشية من طلب الثأر.

​والنتيجة الكارثية هي انكفاء كل مكون داخل خندقه لحماية نفسه والدفاع عن الفاسدين من بني جلدته خوفاً من الآخر؛ وبذلك يصفو الجو لحيتان الفساد لجمع واستنشاق الثروات الأسطورية على حساب دماء ومقدرات المستضعفين، هاربين من المحاسبة بإيقاظ مسرحيات الشحن الطائفي كلما اقتربت ساعة سقوطهم؛ لأن بقاء يزيد العصر مرهون ببقاء جهل الرعية وضياع وعيها.

​التوظيف الاستراتيجي الإقليمي واستحضار الرموز على الحدود

​يتعدى توظيف الرمزية التاريخية والخوف المفتعل النطاق المحلي إلى الأبعاد الإقليمية والاستراتيجية العابرة للحدود؛ وخير مثال على ذلك ما حدث على الساحة الإقليمية عند سقوط الحكم السوري السابق وصعود قوى على الحدود ترفع علانية شعار إحياء وبناء “دولة بني أمية” أو النهج الأموي. إن وضع هذه التسمية وتصدير هذا الشعار لم يكن عفواً، بل أريد به عمدًا إنضاج الفكرة الأموية والثأرية المقابلة وإبقاء حالة الخوف وجمر الثأر الكامن تحت الرماد جاهزاً للاشتعال في أي وقت؛ مما خلق ذعراً وجودياً لدى الشعوب من احتمالية وصول هذا المنهج الذي يمثل تاريخياً الإبادة الجماعية لآل البيت.

​وقد وظفته السلطات الفاسدة داخلياً كـ”هدية ذهبية” لتبرير وجودها والطلب من الشعب التغاضي عن السرقات وتدمير البنى التحتية بحجة الحماية من يزيد القادم على الحدود. وهنا يبرز الواجب الحقيقي للشعوب المسلمة والجارة بعدم الانقياد خلف هذه التسميات المفخخة، والوعي بأن الانتماء الصادق يكون للرسول الأكرم (ص) وآله الأطهار الذين جاؤوا لبناء الأمة وتحرير الإنسان بالعدل والمواطنة، وليس لخندق القتلة والمفسدين.

​كالعنقاء: إحياء ثورة المضمون والشجاعة والوعي

​إن المنطلق الأخلاقي والشرعي والحقيقي في عصرنا الحديث يتطلب من المجتمع وعيًا شاملًا يرفض التهمة المعلبة بـ”الطائفية” التي يرفعها وعاظ وحكام العصر بوجه كل من يحاول تفكيك ميكانيزمات تزييفهم. إن كسر طوق الخوف والنزعة القديمة للثأر يبدأ من الإدراك التام بأن الحسين (ع) ليس ضعفاً ولا بكاءً، بل هو الشجاعة المطلقة والألق العظيم في طلب الحرية ونبذ الفاسدين. وأبسط دليل على هذا الجبروت هو صمود الإمام زين العابدين علي بن الحسين وثباته رغم حضوره المعركة ورؤيته للمجازر كاملة وسبي عائلته، حيث لم ينكسر ولم يضعف بل زلزل الشام بخطبته الاستراتيجية الهجومية المعرّفة بالحق عندما صعد أعواد المنبر قائلاً بصلابة هزت عرش الطاغية: «أنا ابن مكة ومِنى، أنا ابن مروة والصفا… أنا ابن محمد المصطفى، أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا إله إلا الله»؛ فهذا منطق القائد الشاهد الذي يضع الحاكم الفاسد في موقعه كـ”مغتصب ذليل”.

​ومعه تجلت شجاعة عقيلة الطالبين السيدة زينب بنت أمير المؤمنين التي لم تبكِ استسلاماً ولم تذرف دمعة انكسار أمام جلاديها، بل حوّلت السبي إلى رحلة تنوير؛ ففي الكوفة وأمام غطرسة عبيد الله بن زياد حين سألها شامتاً: “كيف رأيتِ صنع الله بأخيكِ؟”، صفعته بالرد الذي صاغ فلسفة الأحرار: «ما رأيتُ إلا جميلاً! هؤلاء قومٌ كَتَبَ اللهُ عليهم القتلَ فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون وتخاصمون، فانظر لمن الفلج يومئذٍ، ثكلتك أمك يا بن مرجانة!». وفي الشام وقفت بكل كبرياء هاشمية وأنفة محمدية لتخاطب يزيد المتفرعن المنتشي بأرجوزته الجاهلية، قائلة له: «فَكِدْ كَيْدَك، وَاسْعَ سَعْيَك، وَنَاصِبْ جُهْدَك، فَوَاللَّهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَلَا تُمِيتُ وَحْيَنَا، وَلَا تُدْرِكُ أَمَدَنَا، وَلَا تَرْحَضُ عَنْكَ عَارَهَا، وَهَلْ رَأْيُكَ إِلَّا فَنَدٌ، وَأَيَّامُكَ إِلَّا عَدَدٌ، وَجَمْعُكَ إِلَّا بَدَدٌ!». إن هاتين خطبتين لم تتركا ليزيد ولا لابن زياد أي نصر سياسي، بل أطاحتا بشرعية الدولة علانية في عقر دارها، وبينتا للأمة أن تضحيتهم المخطط لها بالمشيئة الإلهية كانت في سبيل الله والإصلاح والحرية.

​بناءً على هذا الإرث التنويري الشجاع، يتوجب على الشعوب، بما تملكه من أنفة وعزة تبغض الباطل بفطرتها، إعادة صياغة استذكار هذه النهضة؛ فلو رفعت الملايين السائرة شعار الحقوق الإلهية والإنسانية ومحاكمة الواقع لمرة واحدة وفي مناسبة واحدة، وسحبت المشروعية الدينية والسياسية عن طغاة الحاضر، لسقطت فوراً كل تلك الرؤوس التي أينعت بالفساد واستولت على المقدرات. إن التحول من عقلية التدجين الخائف إلى عقلية الأحرار الواعين، والربط بين عطش كربلاء وبين انعدام الخدمات والتعليم المحترم وضياع السيادة في الحاضر، هو النصرة الحقيقية لخط الحسين (ع) والرسالة المحمدية، والسبيل الوحيد لبناء دولة المواطنة والعدل والنزاهة والكرامة الإنسانية الشاملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *