دور الجغرافيا في تقرير المصير السياسي

دور الجغرافيا في تقرير المصير السياسي
الجغرافيا البرية والحدودية تُحدّد خيارات الدول الاستراتيجية؛ الأمثلة على البحرين وغزة وجنوب لبنان تُبيّن كيف يحسم الحصار الجغرافي مصائر الحركات والمقاومة، مما يجعل الجغرافيا عاملًا محوريًا في القرار السياسي والأمني....

عندما نتأمل في طبيعة الأحداث والصراعات لأي منطقة ودولة سنجد بأن الجغرافيا (خصوصاً البرية) هي صاحبة القرار الأول في التأثير على مصير هذه الدولة أو تلك المنطقة .

فكلما كانت الحدود متنوعة من بر وبحر وجبال وأهوار وغيرها متوافرة وكلما زاد عدد الدول المجاورة ، كلما زادت خيارات الدولة أو الشعب في تقرير مواقفها المصيرية ، السياسية منها والأمنية والإقتصادية وحتى الإجتماعية .

وطبعاً فإن الأمثلة التأريخية على ذلك لا تعد ولا تحصى بما في ذلك أحداث التأريخ المعاصر ، فخذ مثلاً أحداث ثورة شباط فبراير 2011 في البحرين التي كانت قاب قوسين أو أدنى بأن تنجح لولا دخول ما يسمى بـ(قوات درع الجزيرة) من جهة السعودية لقمع الثورة وإجهاض أي محاولة إصلاح وتغيير حقيقي في البحرين ، ولولا أن البحرين عبارة عن جزيرة محاطة من كل الجهات بمياه الخليج الفارسي ولا تتصل حتى بشبه الجزيرة العربية إلا بجسر الملك فهد الذي يربطها بالسعودية ، مما يعني إستحالة وصول أي دعم للثوار من أي جهة وكذلك عدم إمكانية هروبهم من بطش السلطات .

الحدود تصنع خيارات الدولة

مثال آخر هو قطاع غزة بفلسطين ، حيث يحيط به الإحتلال الصهيوني من كل جوانبه الشمالية والشرقية والجنوبية الشرقية وليس لديه سوى حدود متواضعة جداً مع مصر والتي هي الأخرى يقودها نظام مطبّع حرص على خنق ومحاصرة المقا ومة الفلسطينية البطلة طوال العامين الماضيين فساهم بمحاصرة أهالي غزة وتجويعهم إرضاءً للمجرم الجبان “نتنياهو” .والمثال الأخير الذي نستشهد به هو الجنوب اللبناني المقاوم ، فهو أيضاً يدفع ثمن العداء الجغرافي السياسي الذي يحاصره من كل جانب حيث العدو الصهيوني في الجنوب والزمر التكفيرية في الشرق السوري وبعض الأحزاب المسيحية والسنية والدرزية في شمال لبنان التي أعلنت عدائها للمقاومة وسلاحها .

فرغم وجود مقاومين أشداء إنتصروا في السنوات السابقة على العدو الصهيوني وأذلوه وهزموه شر هزيمة ، تدفع المقاومة في جنوب لبنان اليوم ثمن سقوط الدولة السورية بيد حلفاء إسرائيل المطبعين بالسر والعلن من الجماعات التكفيرية التي تسيطر على حكم سوريا اليوم لأنها تمكنت من قطع كل طرق الإمداد العسكرية البرية وغيرها ، حيث  كان حزب اللــه يحصل عن طريقها صواريخه وبقية أسلحته الستراتيجية التي كانت تصله من إيران أو غيرها عبر سوريا ، فلولا سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول 2024م لما تجرأ العدو الصهيوني على فعل الكثير مما فعله لاحقاً لأن سقوط الجغرافيا السورية في أحضانه مهدت له الطريق للحديث علناً عن مشاريع توسعية عنصرية مثل مشروع إسرائيل الكبرى وغيرها

لذلك فإن الجغرافيا السياسية هي سيدة الموقف في الماضي والحاضر والمستقبل في تقرير الكثير من المواقف التأريخية المصيرية دون أن يمنع ذلك من إيجاد حلول متحايلة ذكية تتغلب على الجغرافيا ولكن طبعاً ليس بقدر التأثير نفسه على الجغرافيا الطبيعية من حدود قادرة على تحقيق التواصل والإمداد بين أي جهة وحلفائها ليحققوا لهم الإسناد بجميع أشكاله .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *