كنت مستلقياً عصر يوم الجمعة 27 أيلول 2024 في الساعة 6:45 تقريباً قبل أن يتصل بي فجأة الأخ حيدر الجميلاوي الحسناوي أبو كرار ليسألني بلهجة مرتبكة لم أعهدها منه وهو الشجاع الشديد : سيد .. هل قرأت الخبر الذي إنتشر الآن ؟ هل هو صحيح ؟؟
رددت عليه : عن أي خبر تتحدث ؟ أنا لم أفتح الموبايل منذ أكثر من ساعة ..
أجاب : إنتشر خبر يقول أن إسرائيل قصفت الضاحية في بيروت قصف فظيع وكان المستهدف بالقصف السيد نصر الله وقد إستشهد بهذا القصف مع بقية قيادة الحزب ..
ما أن سمعته يقول بأن الإشاعات تقول بأن السيد إستشهد حتى إنقبض قلبي وتوقف نفسي لحظات وأصبحت في عالم آخر ..
عاد أبو كرار وسألني مرة أخرى .. هل تعرف شيء عن الموضوع ؟ طمني أرجوك ؟ إتصل بجماعتنا وإستفسر منهم ..
قبل أن أتصل بأي أحد أصابني شعور غريب هذه المرة أن خبر الإستشهاد صحيح ، ليس بسبب طبيعة القصف الفظيعة (83 طن متفجرات) ولكن لأني من الذين يؤمنون بأن الخطوط الحمراء أمام أمريكا وإسرائيل قد زالت بعد إغتيال الشهيد العظيم قاسم سليماني دون أن يحصل رد فعل مناسب لحجم الفاجعة (رأي شخصي) .
عبثاً حاولت الإتصال بالقيادات السياسية والإعلامية التي أعرفها فالجميع لا يرد لكثرة الإتصالات في تلك اللحظات المشؤومة ولكن أجابني أخيراً السيد سلام الجزائري عضو المكتب السياسي للعصائب وأسرّني بأن المعلومات الأولية الواصلة تؤكد بأن السيد قد إستشهد فعلاً ولا يمكنه النجاة من هذا الكم من القصف إلا بمعجزة .
لم تمض على الحادثة ساعة حتى إنتشرت شائعات وتصريحات (بعضها من شخصيات مسؤولة بالحزب) تنفي نبأ الإستشهاد وتؤكد بأن السيد بخير ..
قبل هذا الخبر كان أي تصريح أو خبر يصدر عن المقربين من الحزب أصدقه لأنني أثق بهم ثقة عمياء ، ولكن هذه المرة لن أصدقهم ، ليس لأنهم يكذبون لا سمح الله ولكن لأن الصدمة عظيمة فوق التصور فمن الطبيعي من جمهور السيد وحتى الحزب أن لا يكون دقيقاً ..
وبعد ذلك إنتشر خبر جهود الحفر وإزالة الأنقاض من البنايات للعثور على السيد .. لغاية عصر اليوم التالي السبت 28 أيلول وحينها كنت في دورة ثقافية ، عندما أذيع الخبر بشكل رسمي بالعثور على الجثمان الطاهر للسيد الأقدس ، وما أن إنتشر الخبر حتى توقفت الدورة وتم تعطيل كل شيء وإنقسم الجميع ما بين من يريد أن ينفجر بروحه وجسده بأي شيء له علاقة بأمريكا وإسرائيل وبين من غرق بالبكاء واللطم ،
أما أنا بينما كنت خارج من البناية شاهدت الأخ الشيخ علي العيساوي (من وكلاء المرجع السيد القائد الخامنئي دام ظله الوارف) وهو يهم بالخروج مسرعاً وعندما سلمت عليه سألني هل سمعت بالخبر ؟ لقد تأكد إستشهاد السيد . فأجبته بالنسبة لي الخبر مؤكد منذ الأمس فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وبينما بدأت ردود الأفعال تتوالى وتتصاعد كنت قد دخلت حالة نفسية مخيفة لم أعهدها حتى بعد وفاة المرحوم والدي .. فلم أبكي كثيراً في اليوم الأول وإنما أصبت بحالة شرود ذهني عميقة جداً عرض خلالها شريط طويل جداً من الذكريات المتعلقة بالسيد والحزب ولبنان …
بدأ الشريط منذ عام 2000 عندما شرح لنا أستاذي المرحوم محمد عباس الدراجي رئيس تحرير مجلة (الكوثر) النجفية عن سبب نشره خبر إنتصار حزب الله اللبناني على إسرائيل في الغلاف ولكنه كتب مضطراً (المقاومة الوطنية) وليس (الإسلامية) وبدون كلمة (حزب الله) لأن تعليمات نظام الطاغية المقبور صدام الهدام كانت تمنع استخدام اسم حزب الله لأن فيه ترويج للتشيع ولإيران !
وبعد سقوط صنم الطاغية في نيسان 2003 وتحديداً في آيار عندما بدأنا مسيرتنا الأول إلى مرقد الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء دخلت منشورات وتوزعت بين الزوار تعرف بحزب الله وبطولاته ثم سمعنا بخطاب السيد عن أهمية مسيرة الأربعين .
وبعد فترة قليلة إشترى المرحوم والدي ولأول مرة جهاز (الستلايت) والذي كان ممنوعاً في عهد الطاغية ويعاقب عليه عقوبات شديدة وكانت أول المحطات التي بدأنا نتابعها هي قناة (المنار) ..
هنا بدأنا في البيت جميعاً حكاية أخرى مع المنار .. أصبحنا نتابع كل صغيرة وكبيرة عن لبنان ، عن السيد حسن ، عن الحزب وشهداءه وتأريخه ورموزه ، مضافاً إلى معلومات والدي الغزيرة عن لبنان الذي سبق له أن زاره في السبعينيات .
أصبحت ثقافتي حزبية بشكل لا أبالغ بالقول بأنها تفوق الكثير من اللبنانين من جمهور الحزب .
أصبحت المنار رئتنا التي نتنفس فيها عقيدتنا المذهبية والسياسية والإجتماعية وتعلقنا بكل تفاصيل المنار ، إلى درجة أن الوالدة حفظها الله كانت قلقة جداً خلال حرب تموز 2006 على مصير المذيعات (غادة عساف النمر) و(كوثر الموسوي نون) لأنهن لم يظهرن طوال فترة الحرب وإنما كانت فقط تظهر (بتول أيوب نعيم) !
أما تأثرنا وحبنا للسيد الأقدس عن طريق المنار فكان لا يصح تسميته بالحب لأنه كان عشقاً حد الثمالة ، كان المرحوم والدي يشعر بالفخر والراحة كلما ظهر بخطاب أو مناسبة وهو يردد (والله لو كان لدينا مثله في العراق لأصبحنا سادة العالم) ، كان معجباً ليس فقط بنهجه وجهاده وفكره ، بل حتى بكاريزما شكله الجميل وحرصه على اللغة العربية في خطاباته ، وحتى في طريقة لبسه العمامة وخروج شعر مقدم رأسه منفرداً بهذا المظهر الذي أصبح يقلده الكثير من المعممين من بعده .
كنا نشعر بعزة ما بعدها عزة عندما نشاهد إستعراض الحزب في مناسبة يوم القدس العالمي بحضور السيد نفسه .
كان السيد حسن مُلهمنا ومصدر عزيمتنا وقوتنا وصبرنا كلما شاهدناه في المنار ، عشقنا لبنان من خلاله وأصبح حزب الله قدوة لنا بكل شيء .
إستذكرت ما حدث لي عام 2014 عندما سمعت من سماحة الشيخ قيس الخزعلي مباشرة أنه سمع من السيد حسن نصرالله في لقاءه الأخير معه بأنه من أصل عراقي وأن أجداده السادة آل طعام إنتقلوا من مدينة القاسم في بابل إلى لبنان قبل قرون .
فإستأذنت فوراً من الشيخ الخزعلي لنشر هذه المعلومة المثيرة في المجلة التي كنت أرأس تحريرها آنذاك (الغدير) بإعتباره سبق صحفي وفعلاً ما أن إنتشر الخبر بالإنترنت والفيسبوك حتى حدثت ضجة إستمرت لأيام في لبنان والعراق بين مكذب ومصدق حتى وصل الأمر ببعض الأخوة اللبنانيين أنهم أرادوا الحصول على تكذيب للخبر من مكتب السيد نصرالله إعتزازاً به فكان العكس لأنهم أكدوا صحة الخبر ودقته .
لقد كان السيد نصرالله بالنسبة لنا نحن أهل العراق ليس زعيماً لحزب وإنما رمز وقائد يرمز للشجاعة والوعي والإيمان بأبهى صورها ويكاد يخلو من النقص والعيوب في صفاته وتفاصيله الشخصية ، حتى لثغته في حرف الراء كانت مميزة ومحبوبة .
كنت أتابع خطاباته وأنتبه إلى تفاصيلها أكثر حتى من كثير من الأخوة اللبنانيين كما أخبروني هم بل أني أعتبر بأني وعيي ونشأتي وثقافتي السياسية هو نتاج خطابات ومواقف السيد نصرالله بالأساس وخصوصاً الفترة من 2003 – 2024 .
فقد نشأت (ومثلي كثير من العراقيين) على خطاباته في فترات الفتن والأزمات التي عصفت في لبنان خصوصاً بعد إغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 شباط 2005 وما بعدها من أحداث حرب تموز 2006 وخطاباته العظيمة التي هزّت كيان العدو الصهيوني .
حتى فيما يتعلق بالشأن العراقي كانت مواقفه تتسم بالأبوية والحكمة والإحترام تجاه كل الألوان والمشارب والإتجاهات والأحزاب والشخصيات ، وكنا نعلم حبه العميق للعراق والعراقيين لعلمه بمحورية العراق في كل أحداث التأريخ .
أفكار وذكريات كثيرة إزدحمت في رأسي وأكثر منها مشاعر أليمة خنقت صدري وأسئلة متعبة صدّعت رأسي ..
ماذا أفعل ؟
هل تأكد الخبر ؟
كيف سننتقم ؟
هل سيعوضنا الله تعالى بمن يكمل مسيرة هذا الرجل الأسطورة ؟
ماذا سيحل بأخوتنا الأحبة اللبنانيين ؟
بعدها سمحت لدموعي بالإنهمار كالأنهار حزنا على رحيل هذا الإنسان المقدس ولأيام ، حتى وصل بي الحال إلى تحاشي رؤية صوره رغم حرصي قبل شهادته على إشباع ناظري من صوره ومقاطعه وخطاباته لأشحن روحي بكل أشكال الجمال والشجاعة والبصيرة وكل أشكال الطاقة الإيجابية .
وبينما كنت مستغرقاً بهذه الأفكار وأنا غارق بثقل المصيبة إنتشرت إشاعة خطيرة تأثر بها معظم الأخوة اللبنانيين وخصوصاً جمهور حزب الله عندما أصبحوا يكذّبون حقيقة شهادة السيد نصرالله وذهبوا إلى تأويلات عجيبة غريبة تثبت بنظرهم أن السيد حي ولم يستشهد وأن ما حصل هو تكتيك أمني لحمايته ، وهذه الإشاعة رغم أنها طبيعية نتيجة الصدمة العنيفة إلا أنها خطيرة جداً من حيث إمكانية استخدامها من قبل مرضى العقول والنفوس للتأسيس لفرقة منحرفة تقول بحياة السيد ثم تفترق عن الجماعة والواقع والبيئة كما حدث مع فرق ومذاهب أخرى قديمة .
لكن قوة الصدمة كانت كافية للسكوت عن هؤلاء لأن قيمة السيد نصرالله وأهميته لا يعرفها إلا الله والقليل من الناس وأغلب أعداءه ، نعم أعداءه كان الكثير منهم يعرفون أهميته وقيمته أكثر من كثير منا ، ولم أجد أصدق من قول النتن ياهو وهو الكذوب الجبان في كل شيء آخر عندما وصف السيد بأنه كان (محور المحور) !
كان السيد نصرالله يمثل القداسة والطهارة والنقاء وكل الكمالات الإنسانية ، فكان ظهوره وجمال طلته وهيبتها تمنحنا طاقة إيجابية نعوض فيها معاناتنا وخيباتنا من الطاقات السلبية التي تسببت بها الزعامات البائسة والفاشلة في العراق وكل البلدان العربية .
وبعد أيام قليلة من الشهادة بدأت عوائل الأخوة اللبنانيين المهجرين من جمهور المقاومة يصلون إلى العراق تباعاً فكنا نتعامل مع كل فرد منهم على أنه (حسن نصرالله) نفسه ، الزعيم العظيم الذي رفع رؤوسنا وأحيا فينا ولعقود كل القيم والمبادئ والشعارات الأخلاقية والعقائدية وكان خير ترجمان لمدرسة ولاية الفقيه ومجددها السيد الخميني “رض” ، وأغلب العراقيين كانوا يحرصون بشدة على خدمة وراحة أشقائهم اللبنانيين لهذا السبب وسبب آخر هو الحرص على رد الجميل للسيد نصرالله وحزب الله لوقفتهم المشرفة مع العراق وحشده المقدس في مواجهة زمرة “دا عش” ، ولا أنسى دموع من أعرفهم هنا في النجف وهم يودّعون أشقائهم اللبنانيين عندما بدأوا بالعودة بعد توقف الحرب حتى أني سمعت أحدهم وهو يقول : (ليت الحرب لم تنتهي ليستمروا بالبقاء عندنا ونخدمهم برموش عيوننا هؤلاء الأبطال المضحين) .
ربع قرن (25 عاماً) من حياتي كانت مرتبطة بهذا السيد العظيم ومتأثرة به رغم عدم تشرفي باللقاء أو رؤيته يوماً ، مثَلي مثل أويس القرني الذي ذاب عشقاً بالنبي “ص” دون أن يراه .
كلمات كثيرة جداً يختزنها صدري المشتعل بنار الحسرات على خسارة السيد أحببت أن أبثها بالتزامن مع الذكرى الأولى لشهادته من دون أن أدعي أنني أشد الخلق أسفاً وألماً على رحيله كرفاقه وأهل بيته الذين لا أشك أنهم لا يطيقون العيش بعده .
عهد صادق يشهد عليه الله عز وجل أني (وأمثالي) سأكون وفياً ومخلصاً لنهجك المقدس ومدرستك المباركة سيدي يا نصرالله حتى ظهور إمامنا وقائدنا ومنقذنا الأعظم الإمام المهدي عليه السلام ، والله الموفق والمستعان.


