مقدمة
في خضمّ موجة جديدة من الاعترافات الدولية المتزايدة بالدولة الفلسطينية، وبعد إعلان دول أوروبية كفرنسا وبريطانيا استعدادها للاعتراف الرسمي بدولة فلسطين، قام يائير نتنياهو، نجل رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنشر صورة لعلم إقليم كردستان، محتجًّا على عدم اعتراف الدول الأوروبية بما أسماه “دولة كردستان”. وقد وصف الأكراد بأنهم “أكبر أمة بلا دولة”، مشيرًا ضمنًا إلى ما اعتبره انحيازًا أوروبيًا في التعاطي مع قضايا الشعوب.
ولا تعكس هذه التصريحات نفاق السياسة الخارجية للكيان الصهيوني فحسب، بل تفضح بوضوح مساعيه المستمرة لإضعاف خطاب الوحدة الإقليمي، وترسيخ سياسات الانقسام الداخلي في دول المنطقة. وهي تشير كذلك إلى حقيقة مركزية مفادها أن تفكيك الدول الكبرى في غرب آسيا يشكّل أحد الأعمدة الأساسية في العقيدة الأمنية للكيان.
١. الكيان الصهيوني: الدولة الوحيدة بلا حدود معترف بها في العالم
منذ تأسيسه عام 1948، يُعدّ الكيان الصهيوني الكيان السياسي الوحيد في العالم الذي لا يملك حدودًا دولية محدّدة ومعترفًا بها رسميًا. وهذه الحقيقة ليست قضية قانونية فحسب، بل تشكّل أيضًا جذورًا لكثير من الأزمات الجيوسياسية في منطقة غرب آسيا. وحتى اليوم، لم يُقدِم الكيان على نشر خريطة نهائية ومعتمدة لأراضيه، ويرفض ترسيم حدوده مع الدول المجاورة رغم عضويته في الأمم المتحدة.
وبحسب وثائق الأمم المتحدة، فإن الكيان الصهيوني خلال العقود الـ76 الماضية، قام باحتلال مساحات شاسعة من أراضي الدول العربية والإسلامية، أو سعى إلى ضمّها بشكل دائم:
- مرتفعات الجولان (سوريا): احتُلت عام 1967، وضُمّت بشكل غير قانوني عام 1981، وهو الضم الذي لم يعترف به المجتمع الدولي، باستثناء الولايات المتحدة في عام 2019. وقد اعتبر القرار 497 الصادر عن مجلس الأمن هذا الضم “باطلًا ولاغيًا”.
- مزارع شبعا وأجزاء من جنوب لبنان: رغم انسحاب إسرائيل المُعلن من لبنان عام 2000، لا تزال تحتل أجزاء من الجنوب اللبناني، وتواصل انتهاك الأجواء والسيادة اللبنانية بشكل يومي.
- وادي عربة وأجزاء من الضفة الشرقية لنهر الأردن: رغم معاهدة السلام مع الأردن (1994)، يسيطر الكيان فعليًا على أجزاء أمنية حساسة من الحدود، ويقيد سيادة الأردن عليها.
- جزيرتا صنافير وتيران (السعودية): ورغم عدم إعلان الكيان رسميًا عن مطالبته بالسيادة عليهما، إلا أنه يفرض سيطرة استراتيجية على مضيق تيران وطرق الملاحة نحو ميناء إيلات، ويتابع أي تغيّر جيوسياسي هناك بدقة وحذر.
- القدس الشرقية، الضفة الغربية، وقطاع غزة: رغم أن المجتمع الدولي يعتبرها أراضٍ محتلة، فإن الكيان الصهيوني ينتهج سياسة تهويد ممنهجة، من خلال الاستيطان، وتقييد حركة الفلسطينيين، وهدم المنازل، وسلب الحقوق المدنية، بما يهدف إلى ضمّها فعليًا.
- مخطط ضمّ قطاع غزة: رغم انسحاب مزعوم عام 2005، فإن الكيان يواصل فرض حصار شامل بري وبحري وجوي على القطاع. كما تشهد الفترة ما بعد 7 أكتوبر 2023 تصعيدًا لافتًا، من خلال قصف مكثّف، وعمليات اغتيال ممنهجة، وخطط من وزراء متطرّفين لإعادة توطين المستوطنين في شمال غزة، تمهيدًا لضم تدريجي وخطير.
وبحسب مركز “بتسيلم” الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، تم إنشاء أكثر من 130 مستوطنة رسمية ونحو 100 بؤرة استيطانية غير قانونية في الضفة الغربية منذ عام 1967، ويقدّر عدد المستوطنين فيها بأكثر من 700,000 حتى عام 2023. وهذه الأعمال تنتهك المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة (1949)، والقرارات الدولية وعلى رأسها القرار 2334 (2016) الذي اعتبر الاستيطان غير شرعي.
الكيان الصهيوني لم يتقيّد بأي حدود دولية، بل يتحرك وفق أيديولوجيا “الصهيونية الإقليمية”، التي ترى في التوسع الجغرافي مهمة دينية وتاريخية. وفي هذا السياق، لا يعترف الكيان بحدود عام 1948، بل يطمح إلى “حدود توراتية” تشمل أجزاء من مصر والعراق وسوريا.
ومن ثمّ، فإن ادعاء هذا الكيان بدعم “الشعوب عديمة الدولة” أو “حق تقرير المصير” هو مجرد ستار لسياسات توسعية تهدف إلى زعزعة استقرار الدول المركزية في المنطقة. ويأتي تظاهره بالدفاع عن الأكراد ضمن هذا الإطار، إذ لا هدف له سوى إضعاف دول مثل إيران والعراق وسوريا وتركيا عبر استغلال التعدد العرقي.
٢. الاستغلال السياسي للقضية الكردية
رغم تعقيد القضية الكردية وامتدادها التاريخي العميق، إلا أن الكيان الصهيوني حاول، خلال العقود الماضية، النفاذ إلى بعض الفصائل الكردية واستخدامها كورقة ضغط جيوسياسية ضد دول المنطقة، ولا سيما إيران وتركيا والعراق وسوريا. ويُعدّ دعم “تل أبيب” لاستفتاء انفصال إقليم كردستان العراق في عام 2017، الذي رُفض من قِبل 93 دولة حول العالم، أبرز مؤشر على هذا التوجه.
وقد كان الكيان الصهيوني الدولة الوحيدة التي دعمت الاستفتاء علنًا، في حين عارضته حتى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، معتبرين الانفصال تهديدًا لاستقرار المنطقة. ومع ذلك، استغل الكيان هذا الحدث لبناء علاقات أمنية واستخباراتية مع بعض القوى الكردية، وتوسيع نفوذه شمال العراق.
٣. التناقض الصارخ لكيان يمارس القمع ويدّعي الدفاع عن الأقليات
كيف لكيان متّهم من قِبل منظمات دولية كبرى بأنه نظام فصل عنصري، أن يدّعي الدفاع عن الأقليات؟! فقد صنّفت منظمة “بتسيلم” عام 2021 الكيان الصهيوني رسميًا كنظام أبارتايد. كما أكدت منظمة العفو الدولية في فبراير 2022 أن إسرائيل تطبق نظامًا مؤسسيًا وممنهجًا من التمييز العرقي بحق الفلسطينيين.
وبحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (UNOCHA)، فقد قُتل أكثر من 11,000 فلسطيني في غزة والضفة الغربية منذ مطلع عام 2023، وأُصيب أكثر من 25,000 آخرين. وتُشير الإحصاءات إلى دمار نحو 70% من البنية التحتية لغزة، فيما يعيش أكثر من مليوني إنسان في ظروف إنسانية مأساوية.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو تصريحات يائير نتنياهو حول “الدفاع عن حقوق الأكراد” فارغة من أي مضمون إنساني، وتكشف عن نوايا جيوسياسية مكشوفة: ضرب استقرار دول المنطقة من خلال تفجير التناقضات القومية والمذهبية.
٤. دور الكيان في تفكيك الدول الوطنية في المنطقة
منذ تأسيسه، تبنّى الكيان الصهيوني استراتيجية “التفكيك والإنهاك” كأداة رئيسية في سياسته الخارجية. وتُعدّ “خطة ينون” (Yinon Plan) التي وُضعت في ثمانينيات القرن العشرين، نموذجًا صريحًا لهذه الرؤية، حيث دعت إلى تقسيم الدول الكبرى في المنطقة إلى كيانات طائفية وعرقية صغيرة.
وقد جرى تطبيق هذه الاستراتيجية جزئيًا في العراق وسوريا ولبنان والسودان، بل وحتى في مصر، من خلال دعم الجماعات الانفصالية والمسلحة. وتشير تقارير استخباراتية إلى أن الكيان دعم بعض الفصائل الكردية في شمال سوريا لوجستيًا واستخباراتيًا، بل وعالج جرحاهم في مستشفيات “حيفا”.
خاتمة
لا تُعبّر تصريحات يائير نتنياهو حول “الأمة الكردية” عن أي التزام أخلاقي تجاه الأقليات، بل تندرج ضمن استراتيجية صهيونية طويلة الأمد تهدف إلى تقويض الدول الإسلامية من الداخل. فالكيان الذي لا يملك حدودًا، ويرتكب جرائم إبادة، وينتهك المعاهدات الدولية، ويحوز أسلحة دمار شامل، لا يمكنه أن يكون مدافعًا عن قضايا الشعوب.
وعلى دول المنطقة والمجتمع الدولي أن يتحلّوا باليقظة التامة إزاء هذه المخططات الهدّامة، وأن يُدركوا أن “الحقوق الإنسانية” في الخطاب الصهيوني ليست سوى أدوات دعائية لتبرير سياسات استعمارية تسعى إلى تفتيت الشرق الأوسط.


