السلام الذي تخشاه إسرائيل
السلام الذي تخشاه إسرائيل لا يتعلق بمجرد توقف إطلاق النار، ولا بانخفاض مؤقت في وتيرة المواجهة،
بل بما يمكن أن تكشفه لحظة التفاوض من حدود القوة العسكرية وعجزها عن إعادة تشكيل البيئة الإقليمية كما أرادت تل أبيب.
ففي كثير من الأحيان، لا تكشف الحروب نتائجها الحقيقية لحظة توقف المدافع،
بل لحظة بدء التفاوض، حيث تظهر المسافة بين الأهداف التي رُفعت في بداية الحرب والوقائع التي تضطر الأطراف إلى التعايش معها عند نهايتها.
من هذه الزاوية، تبدو التطورات المرتبطة بمذكرة التفاهم الأمريكية ـ الإيرانية أكثر أهمية من الحرب نفسها.
فبعد أشهر من المواجهة التي قُدمت بوصفها فرصة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، تجد واشنطن نفسها تدفع نحو تسوية مؤقتة، بينما تبدو إسرائيل أكثر قلقاً من نتائج السلام مما كانت عليه خلال مراحل واسعة من الحرب.
حين تكشف المفاوضات حدود القوة
لا تنتهي الحروب دائماً عندما يتوقف القتال، بل عندما تظهر نتائجها السياسية.
فقد تستطيع دولة ما أن تضرب، وتدمر، وتغتال، وتستعرض تفوقها العسكري،
لكنها لا تكون قد انتصرت استراتيجياً إلا إذا نجحت في تحويل هذه القوة إلى نظام سياسي جديد يخدم مصالحها.
وهنا تكمن عقدة المشهد الحالي. فإسرائيل أظهرت قدرة عسكرية واضحة على الوصول إلى أهداف بعيدة،
وضرب بنى حساسة، وإحداث خسائر كبيرة. لكنها، في المقابل، لا تبدو قادرة على فرض البيئة السياسية التي أرادت أن تخرج من الحرب وهي قائمة.
وهذا ما يجعل السلام أكثر إرباكاً لها من الحرب نفسها. فالحرب تمنحها فرصة استخدام القوة، أما التفاوض فيكشف حدود هذه القوة.
الأهداف الكبرى والنتائج المحدودة
عندما بدأت المواجهة، كانت الأهداف المعلنة واسعة: تحجيم البرنامج النووي الإيراني،
إضعاف القدرات الصاروخية، تقليص النفوذ الإقليمي لطهران، وفرض معادلة ردع جديدة تجعل إيران أكثر انكفاءً داخل حدودها الوطنية.
لكن ما يتكشف تدريجياً من تفاصيل التفاهمات يشير إلى واقع مختلف.
فالبرنامج الصاروخي الإيراني يبدو خارج إطار التفاوض المباشر،
والعلاقات الإيرانية مع حلفائها الإقليميين ليست مطروحة على الطاولة بالصورة التي كانت ترغب بها إسرائيل، والملف النووي نفسه أُرجئ إلى مفاوضات لاحقة.
وفي المقابل، تتحدث التسريبات عن تخفيف للعقوبات،
وإفراج عن أموال مجمدة، وإعادة فتح مسارات اقتصادية وبحرية كانت جزءاً أساسياً من أدوات الضغط على طهران.
بعبارة أخرى، توقفت الحرب قبل أن تحقق كل الأهداف التي قيل إنها شُنت من أجلها.
واشنطن وكلفة الحرب
المسألة لا تتعلق بإيران وحدها، بل بالولايات المتحدة أيضاً.
فالسياسة الأمريكية خلال العقود الماضية قامت على فرضية أن القوة العسكرية يمكن أن تُستخدم لإعادة تشكيل سلوك الخصوم وفرض ترتيبات سياسية جديدة.
غير أن ما جرى خلال هذه الحرب يعكس معضلة أكثر تعقيداً.
فواشنطن التي دخلت المواجهة وهي تتحدث عن تغيير قواعد اللعبة،
خرجت منها وهي تبحث عن آلية لإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة واحتواء التداعيات الاقتصادية والسياسية للحرب على الداخل الأمريكي.
وهذا ليس تفصيلاً هامشياً. فالولايات المتحدة لم تتحرك نحو التسوية لأن أهدافها تحققت بالكامل،
بل لأن كلفة استمرار الحرب أصبحت أكبر من العائد المتوقع منها.
وهذه واحدة من أهم الإشارات الاستراتيجية التي خرجت بها المنطقة من هذه الأزمة.
إيران وخسائر البقاء
أما إيران، فرغم الخسائر العسكرية والاقتصادية التي تعرضت لها،
فقد نجحت في تثبيت حقيقة لا تقل أهمية: استهدافها لا يلغي قدرتها على التأثير في البيئة الإقليمية.
فأدوات القوة التي تمتلكها طهران ما زالت كافية، وفق هذه القراءة،
لتحويل أي مواجهة واسعة إلى أزمة تمس الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة، والملاحة الدولية، والممرات البحرية.
لذلك، لا يمكن النظر إلى ما جرى بوصفه انتصاراً إيرانياً تقليدياً، لكنه في الوقت نفسه ليس هزيمة بالمعنى الذي كانت تريده إسرائيل.
فإيران قد تكون خرجت أضعف عسكرياً، لكنها بقيت حاضرة في أي ترتيبات مستقبلية لا يمكن تجاوزها بسهولة.
مضيق هرمز ومعادلة الردع الجديدة
لا يمكن التعامل مع مضيق هرمز باعتباره تفصيلاً تقنياً في المفاوضات.
فالحرب الأخيرة أظهرت أن السيطرة على تدفقات الطاقة أصبحت جزءاً من معادلة الردع نفسها.
ما يثير القلق في العواصم الغربية ليس حجم القوة العسكرية الإيرانية فقط،
بل قدرة طهران على تذكير العالم بأن الجغرافيا ما زالت تملك القدرة على تعطيل الاستراتيجيات الكبرى، مهما بلغ حجم التفوق العسكري للطرف المقابل.
فمضيق هرمز ليس ممراً بحرياً عادياً. إنه عقدة اقتصادية عالمية،
وأي اضطراب فيه يمكن أن ينعكس سريعاً على أسعار النفط، والتأمين البحري، وسلاسل الإمداد، والتضخم، وحسابات الأسواق الدولية.
من السيطرة على الأرض إلى التحكم بالتدفقات
الأهم أن الحرب كشفت تحولاً أعمق في بنية الشرق الأوسط.
فالصراعات الكبرى في المنطقة لم تعد تدور فقط حول السيطرة على الأرض،
أو إسقاط الأنظمة، أو رسم الحدود، بل أصبحت تدور بصورة متزايدة حول التحكم بالتدفقات.
تدفقات الطاقة، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة العالمية،
أصبحت جزءاً من معادلة القوة. وهذا التحول يغير طبيعة الصراع نفسه.
فالدولة التي تستطيع التأثير في تدفق الموارد لا تحتاج بالضرورة إلى تحقيق انتصار عسكري كامل كي تفرض نفسها لاعباً لا يمكن تجاهله.
وهنا تبدو أهمية هرمز أكبر بكثير من كونه ممراً مائياً.
إنه عنوان لصراع أوسع حول من يملك القدرة على التأثير في حركة الاقتصاد العالمي.
لماذا تخاف إسرائيل من التسوية؟
هنا يمكن فهم اللهجة الإسرائيلية المتصاعدة في الأيام الأخيرة.
فالتصريحات الصادرة عن بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي لا تعكس فقط تمسكاً بمواقع عسكرية في لبنان وسوريا وغزة،
بل تعكس أيضاً خشية من لحظة سياسية جديدة بدأت تتشكل في المنطقة.
إسرائيل تدرك أن أخطر ما يمكن أن تنتجه التسوية الحالية ليس وقف الحرب،
بل إعادة دمج إيران تدريجياً في المعادلات الإقليمية والدولية من موقع الطرف الذي صمد ولم ينهَر.
ولهذا تبدو ردود الفعل الإسرائيلية أقرب إلى محاولة منع تثبيت نتائج سياسية للحرب، أكثر من كونها احتفالاً بنتائجها العسكرية.
القوة الإيرانية التي بقيت
الأكثر دلالة أن الانتقادات الإسرائيلية الداخلية للتفاهم لم تصدر فقط عن خصوم إيران التقليديين،
بل عن شخصيات عسكرية وسياسية رأت أن التفاهم الجديد أبقى البنية الأساسية للقوة الإيرانية قائمة.
وهذا بحد ذاته يكشف أن المسألة تتجاوز الخلافات الحزبية داخل إسرائيل،
لتلامس سؤالاً أعمق يتعلق بمكانة تل أبيب نفسها في مرحلة ما بعد الحرب.
فإذا كانت إسرائيل قد نجحت في إظهار قدرتها على الضرب،
فإنها لم تنجح في فرض البيئة السياسية التي كانت تريدها.
وهذه هي الفجوة التي تخيف المؤسسة الإسرائيلية: القدرة على التدمير موجودة،
لكن القدرة على هندسة النتائج السياسية ليست مضمونة.
جوهر الأزمة الإسرائيلية
جوهر الأزمة أن الحروب لا تُقاس فقط بحجم الدمار الذي تحدثه،
بل بقدرتها على إنتاج نظام سياسي جديد أكثر ملاءمة لمصالح الطرف الذي يعتقد أنه انتصر.
حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على أن الشرق الأوسط يتجه نحو نظام إقليمي أكثر انسجاماً مع الرؤية الإسرائيلية مما كان عليه قبل الحرب.
بل ربما العكس هو الصحيح. فالمنطقة تبدو أمام واقع جديد يتمثل في وجود إيران أضعف عسكرياً لكنها أكثر حضوراً في أي ترتيبات مستقبلية،
ووجود إسرائيل أقوى عسكرياً لكنها أكثر قلقاً من مآلات التسويات السياسية.
هذه المفارقة هي جوهر السلام الذي تخشاه إسرائيل.
الخليج ومعادلة الاستقرار الاقتصادي
دول الخليج نفسها تجد اليوم أمام معادلة مختلفة عما كان سائداً في العقود السابقة.
فالأولوية لم تعد تقتصر على الحماية من التهديدات العسكرية المباشرة،
بل أصبحت مرتبطة بضمان استقرار الممرات الاقتصادية وشبكات الطاقة التي تقوم عليها خطط التحول الاقتصادي الكبرى.
أي نظام أمني جديد في المنطقة لن يُبنى فقط على موازين السلاح،
بل على القدرة على حماية تدفقات التجارة والطاقة ومنع تعطيلها.
ولهذا، قد لا تكون دول الخليج معنية بجولات استنزاف إضافية بقدر ما هي معنية بتثبيت الاستقرار،
وتجنب أي مواجهة قد تهدد مشاريعها الاقتصادية الكبرى، أو ترفع كلفة الطاقة والتجارة، أو تعيد المنطقة إلى منطق الطوارئ الدائمة.
التهديدات الإسرائيلية ومعناها الحقيقي
من هنا تكتسب التهديدات الإسرائيلية تجاه لبنان وإيران أهمية خاصة.
فهي ليست مجرد رسائل ردع، بل تعبير عن إدراك متزايد داخل المؤسسة الإسرائيلية بأن أي خطأ في الحسابات قد يفتح الباب أمام مواجهة جديدة في توقيت مختلف تماماً عن توقيت الحرب السابقة.
والأهم أن مثل هذه المواجهة لن تجري بالضرورة في ظل الحماس الأمريكي نفسه الذي رافق المراحل الأولى من الأزمة.
فالولايات المتحدة تبدو اليوم أقرب إلى منطق إدارة الصراع ومنع توسعه،
لا إلى منطق الاستثمار في حرب جديدة مفتوحة.
كلفة الاندفاعة الإسرائيلية المنفردة
أي مغامرة إسرائيلية جديدة قد لا تواجه فقط ردود فعل إيرانية،
بل قد تصطدم بحسابات أمريكية وخليجية ودولية ترى أن استقرار الممرات الاستراتيجية أصبح أولوية تفوق الرغبة في خوض جولات استنزاف إضافية.
وهذا ما يجعل أي اندفاعة إسرائيلية منفردة أكثر كلفة من السابق.
لا لأن إيران خرجت منتصرة بالمعنى التقليدي للكلمة،
بل لأن الحرب كشفت حدود القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى هيمنة سياسية دائمة.
وهذه المعادلة لطالما شكلت أحد أكثر التحديات تعقيداً في تاريخ الشرق الأوسط.
من ربح الجولة؟
لذلك، فإن السؤال الحقيقي بعد هذه الحرب ليس ما إذا كانت إيران أو إسرائيل قد ربحتا الجولة الأخيرة.
السؤال الأهم هو ما إذا كانت المنطقة دخلت مرحلة جديدة أصبح فيها الصراع يدور على التحكم بالتدفقات والممرات والاقتصادات بقدر ما يدور على الجيوش والصواريخ.
إسرائيل نجحت في إظهار قدرتها على الضرب. إيران نجحت في إظهار قدرتها على البقاء.
أما الولايات المتحدة، فاكتشفت مجدداً أن إنهاء الحروب أسهل كثيراً من تحويل نتائجها إلى نظام إقليمي مستقر.
وهذا الدرس لا يخص هذه الحرب وحدها، بل يعبر عن تحول أوسع في طبيعة القوة داخل الشرق الأوسط الجديد.
خاتمة: حين يصبح البقاء قوة
في المحصلة، السلام الذي تخشاه إسرائيل هو السلام الذي لا يمنحها النتيجة السياسية التي أرادتها من الحرب.
فهو لا ينهي إيران كفاعل إقليمي، ولا يضع برنامجها الصاروخي تحت السيطرة الكاملة،
ولا يفصلها عن حلفائها، ولا يعيد تشكيل المنطقة وفق الرؤية الإسرائيلية.
بل على العكس، قد يؤدي هذا السلام المؤقت إلى تكريس ما حاولت الحرب تغييره:
حضور إيران في الترتيبات المقبلة، مركزية مضيق هرمز في معادلات الردع، وتقدم أمن التدفقات والطاقة على منطق الحسم العسكري.
وفي الشرق الأوسط الجديد، حيث أصبحت الجغرافيا الاقتصادية جزءاً من معادلات الردع،
قد تكون القدرة على البقاء والتحكم بالتدفقات أكثر تأثيراً في رسم التوازنات من القدرة على توجيه الضربات وحدها.


