إعادة تعريف وظيفة سوريا في شرق المتوسط
إعادة تعريف وظيفة سوريا في شرق المتوسط لم تعد مجرد احتمال نظري في النقاشات السياسية،
بل أصبحت سؤالاً مركزياً في قراءة التحولات الإقليمية الجارية. ففي هذه المنطقة،
لا تكشف التحولات الكبرى عن نفسها دائماً عبر البيانات الرسمية، بقدر ما تظهر في نوع الأسئلة التي تبدأ القوى الكبرى بطرحها.
ومن هذه الزاوية تحديداً، قد لا تكون أهمية الجدل الدائر حول احتمال اضطلاع سوريا بدور في لبنان مرتبطة بإمكانية حدوث هذا السيناريو فعلاً، خصوصاً بعد النفي الواضح للرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، بقدر ما تكمن في حقيقة أن مثل هذا الاحتمال أصبح جزءاً من النقاش السياسي والاستراتيجي في واشنطن وعواصم أخرى.
من سؤال لبنان إلى سؤال سوريا
السؤال المطروح اليوم لم يعد يتعلق فقط بلبنان، أو بحزب الله، أو بالحدود السورية اللبنانية. السؤال الأعمق هو ما إذا كانت المنطقة تشهد محاولة لإعادة تعريف وظيفة الدولة السورية نفسها بعد سنوات طويلة من الحرب.
هل ما زالت دمشق تمتلك القدرة الكاملة على رسم دورها بنفسها؟ أم أن قوى إقليمية ودولية بدأت ترسم لها هذا الدور مسبقاً، ضمن ترتيبات أوسع تتصل بأمن الحدود، وتوازنات النفوذ، ومستقبل المشرق؟
هذا هو جوهر النقاش. فالقضية لا تتوقف عند احتمال دور أمني محدود في لبنان، بل تمتد إلى موقع سوريا داخل النظام الإقليمي الجديد الذي يتشكل ببطء بعد سنوات من الحروب والانهيارات.
سوريا من ساحة صراع إلى أداة توازن
على مدى أكثر من عقد، كانت سوريا ساحة تتصارع فوقها المشاريع الإقليمية والدولية. تحولت أراضيها إلى نقطة تقاطع لمصالح متناقضة، وتداخلت فيها حسابات الأمن والحدود والطاقة والنفوذ.
لكن ما يجري اليوم يوحي بأن بعض القوى لم تعد تنظر إلى سوريا باعتبارها مجرد ساحة للصراع، بل باعتبارها أداة محتملة في إدارة توازنات ما بعد الصراع.
وهنا تكمن الدلالة الحقيقية للحديث المتكرر عن دور سوري محتمل في لبنان. فالمسألة ليست في تفاصيل هذا الدور فقط، بل في أن سوريا بدأت تُقرأ مجدداً بوصفها جزءاً من هندسة إقليمية أكبر.
حدود التصور الأمريكي
لا تبدو الولايات المتحدة معنية بإعادة إنتاج التجربة السورية القديمة في لبنان، كما أن الظروف الإقليمية التي سمحت بذلك لم تعد قائمة أصلاً. لكن مجرد التفكير في إمكانية إسناد وظيفة مرتبطة بأمن الحدود أو بتقييد حركة النفوذ الإيراني عبر الجغرافيا السورية يكشف أن دمشق أصبحت جزءاً من تصورات أوسع.
هذه التصورات لا تنظر إلى سوريا بوصفها دولة خارجة من حرب فقط، بل بوصفها عقدة جغرافية يمكن استخدامها في ضبط التوازنات بين لبنان والعراق وتركيا والأردن وفلسطين، وبين النفوذ الأمريكي والإيراني والإسرائيلي والعربي.
ولهذا، فإن النقاش حول سوريا يتجاوز بكثير حدود الملف السوري الداخلي.
الدولة الجديدة ومعادلة الضغوط
في هذا السياق، تبدو سوريا وكأنها تقف أمام معادلة معقدة. فمن جهة، تحاول الدولة الجديدة تثبيت شرعيتها الداخلية، وإعادة بناء مؤسساتها، ومعالجة أزماتها الاقتصادية والاجتماعية الهائلة.
ومن جهة أخرى، تجد نفسها أمام بيئة إقليمية ودولية تتعامل معها باعتبارها قطعة أساسية في ترتيبات أمنية وسياسية أكبر من حدودها الوطنية.
وهذا ما يمنح النقاش الحالي أهمية استثنائية. فالدولة التي تحاول ترميم الداخل قد تجد نفسها مطالبة بأدوار خارجية لا تملك دائماً ترف رفضها أو قبولها بحرية كاملة.
القضية أبعد من الحدود اللبنانية
القضية لا تتعلق فعلياً بإرسال قوات إلى الحدود مع البقاع، أو إغلاق معبر حدودي،
أو تغيير موازين القوى في منطقة محددة. القضية تتعلق بمكانة سوريا نفسها داخل النظام الإقليمي الذي يتشكل بعد الحرب.
فحين تبدأ قوى دولية بالتفكير في دور يمكن أن تؤديه دمشق خارج حدودها،
فإن ذلك يعني أن سوريا انتقلت من مرحلة كونها موضوعاً للأزمة إلى مرحلة أصبحت فيها جزءاً من النقاش حول إدارة نتائج تلك الأزمة.
وهذا الانتقال يحمل دلالتين متناقضتين: من جهة، يعكس عودة الاهتمام بسوريا بوصفها لاعباً محتملاً،
ومن جهة أخرى، يكشف أن الآخرين قد يسعون إلى تحديد طبيعة هذا الدور قبل أن تحدده دمشق بنفسها.
هامش القرار السوري
الكثير من النقاشات المتداولة تفترض أن دمشق تملك هامشاً واسعاً من القرار،
يسمح لها باختيار أدوارها الإقليمية المقبلة بحرية كاملة. إلا أن الواقع يبدو أكثر تعقيداً من ذلك.
فسوريا الخارجة من حرب مدمرة ما زالت تواجه تحديات اقتصادية هائلة،
وما زالت تعتمد بدرجات متفاوتة على شبكة واسعة من التفاهمات والعلاقات الخارجية.
وهذا يعني أن قدرتها على رفض أو قبول الأدوار المطروحة عليها لا تنفصل عن طبيعة الضغوط والمصالح التي تحيط بها.
بمعنى آخر، لا يتعلق النقاش فقط بما إذا كانت دمشق تريد لعب دور جديد في المشرق،
بل بما إذا كانت القوى الكبرى بدأت تحدد مسبقاً الوظيفة التي تريد لسوريا أن تؤديها.
الجغرافيا السورية كقوة كامنة
على امتداد العقود الماضية، منح الموقع الجغرافي لسوريا أهمية استثنائية في معادلات الشرق الأوسط.
فهي تقع عند تقاطع طرق تربط الخليج بشرق المتوسط، والعراق بلبنان، وتركيا بالأردن وفلسطين.
ولهذا لم تكن أهمية سوريا نابعة فقط من حجمها أو قدراتها،
بل من موقعها داخل شبكة الحركة الإقليمية نفسها.
فكل قوة تريد التأثير في المشرق لا تستطيع تجاهل الجغرافيا السورية.
واليوم، ومع إعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة، عادت هذه الجغرافيا لتكتسب أهمية مضاعفة.
الحدود السورية اللبنانية كعقدة إقليمية
الحدود السورية اللبنانية لم تعد مجرد حدود بين دولتين متجاورتين.
إنها إحدى العقد التي تتقاطع عندها حسابات الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وتركيا والدول العربية معاً.
ومن يملك القدرة على التأثير في هذه العقدة يمتلك جزءاً مهماً من القدرة على التأثير في توازنات المشرق بأكمله.
لذلك، لا يمكن فصل الحديث عن لبنان عن التحولات التي تشهدها سوريا،
كما لا يمكن فصل النقاش حول سوريا عن عملية إعادة ترتيب النظام الإقليمي الجارية حالياً.
فالمسألة تتجاوز أي سيناريو أمني محدود، لتصبح جزءاً من صراع أوسع على شكل التوازنات المقبلة، وحدود النفوذ، ومواقع الدول داخلها.
رسالة أحمد الشرع
اللافت أن تصريحات الرئيس أحمد الشرع جاءت في الاتجاه المعاكس تقريباً لهذا التصور.
فبدلاً من الحديث عن أدوار إقليمية جديدة أو ترتيبات أمنية عابرة للحدود،
أعاد التركيز على أولويات الدولة السورية نفسها: وقف الحرب، معالجة ملف النازحين، وإعادة الاستقرار.
وبين السطور، حمل هذا الموقف رسالة واضحة مفادها أن دمشق لا تريد أن تتحول مجدداً إلى منصة لتصفية الحسابات الإقليمية.
هذه الرسالة مهمة، لأنها تحاول إعادة مركز النقاش إلى الداخل السوري،
لا إلى الوظائف التي قد يريد الآخرون إسنادها إلى سوريا في الخارج.
رغبات الدول وحدود الواقع
غير أن المشكلة تكمن في أن رغبات الدول ليست دائماً العامل الوحيد الذي يحدد أدوارها.
ففي لحظات التحول الكبرى، كثيراً ما تجد الدول الخارجة من الأزمات نفسها أمام ترتيبات تُصاغ خارج حدودها قبل أن تُعرض عليها.
والتاريخ الإقليمي مليء بأمثلة لدول انتقلت من موقع الفاعل إلى موقع الموضوع داخل مشاريع إعادة تشكيل النفوذ.
ومن هنا، فإن رفض دمشق لأي دور خارجي لا يكفي وحده إذا كانت الضغوط المحيطة بها أكبر من قدرتها على المناورة.
كما أن قبولها بأي دور لا يعني بالضرورة أنها هي من صاغت حدوده وشروطه.
من يحدد وظيفة الدولة؟
قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم هو ما إذا كانت سوريا ستدخل لبنان أو لا.
فهذه مسألة تكتيكية قد تتغير بتغير الظروف والضغوط والتوازنات.
السؤال الأهم هو ما إذا كانت دمشق نجحت فعلاً في استعادة القدرة على تعريف دورها بنفسها،
أم أنها ما زالت في مرحلة يحاول فيها الآخرون تحديد هذا الدور نيابة عنها.
وهذا ربما أحد أكثر الأسئلة أهمية في المشرق اليوم.
لأن مستقبل سوريا لن يتحدد فقط بقدرتها على إعادة بناء الدولة في الداخل،
بل أيضاً بقدرتها على منع الآخرين من تحويلها إلى أداة داخل مشاريعهم الإقليمية.
السيادة بين الأرض والقرار
الدول لا تستعيد سيادتها الكاملة عندما تتوقف الحروب على أراضيها فقط،
بل عندما تصبح قادرة على اختيار موقعها في النظام الإقليمي بنفسها.
فالسيادة ليست مجرد علم يرفع فوق المؤسسات، ولا مجرد حدود مرسومة على الخريطة.
السيادة الحقيقية هي القدرة على اتخاذ القرار، وتحديد الأولويات،
ورفض الوظائف المفروضة، وبناء العلاقات الخارجية وفق مصلحة الدولة لا وفق حاجات الآخرين.
أما حين يبدأ الآخرون بتحديد الوظائف التي ينبغي للدولة أن تؤديها،
فإن الصراع يكون قد انتقل من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على القرار.
سوريا والنظام الإقليمي الجديد
في الشرق الأوسط، غالباً ما يكون الصراع على القرار أكثر عمقاً وأطول عمراً من الحروب نفسها.
فالحرب قد تنتهي باتفاق أو وقف إطلاق نار، لكن إعادة تعريف موقع الدولة داخل النظام الإقليمي قد تستمر سنوات طويلة.
وسوريا اليوم تقف عند هذا المفترق. فهي تحاول الخروج من إرث الحرب،
لكنها تدخل في الوقت نفسه مرحلة جديدة من اختبار السيادة والوظيفة والدور.
فهل تكون سوريا دولة تعيد بناء نفسها أولاً،
ثم تختار أدوارها الإقليمية وفق مصالحها؟ أم تتحول إلى ساحة جديدة لإدارة التوازنات بين القوى الكبرى؟
خاتمة: حين تصبح الوظيفة عنوان السيادة
في المحصلة، تبدأ القوى الكبرى بإعادة تعريف وظيفة سوريا عندما تتحول دمشق من ملف أزمة إلى أداة محتملة في هندسة الإقليم.
وهذه اللحظة تحمل فرصة وخطراً في آن واحد.
الفرصة تكمن في أن سوريا تعود إلى موقع التأثير بعد سنوات من الحرب.
أما الخطر فيكمن في أن يتحول هذا التأثير إلى وظيفة مرسومة من الخارج، لا إلى دور وطني مستقل.
ولذلك، فإن السؤال الأهم في المرحلة المقبلة لن يكون فقط عن لبنان أو الحدود أو الجبهات، بل عن قدرة سوريا على تعريف نفسها بنفسها.
فالدولة التي لا تحدد وظيفتها، سيحاول الآخرون تحديدها لها.
وفي المشرق، حيث تتداخل الجغرافيا بالسياسة والأمن والطاقة،
يكون هذا النوع من الصراع أخطر من كثير من الحروب المعلنة.


