ليس في تاريخ الاستكبار العالمي لحظة أكثر سذاجةً من تلك التي ظنّ فيها الغرب أن حصار التكنولوجيا سيمنع أمةً من الوصول إلى السماء. منذ عام 1979، فرضت الولايات المتحدة وأوروبا عقوباتٍ لا تُحصى على كل ما يتعلق بالفضاء الإيراني: حظر الإلكترونيات، منع التعاون الدولي، تجميد الأصول، ومنع نقل التكنولوجيا. كان الهدف واضحاً: أن تبقى إيران أسيرة الأرض، لا ترى ما وراء الغلاف الجوي إلا من خلال عيون الآخرين.
لكنهم لم يفهموا أن الشعب الذي بنى أول صاروخ باليستي تحت القصف، قادرٌ على بناء قمرٍ صناعي تحت الحصار نفسه.
من الصفر إلى المدار: رحلة الاكتفاء الذاتي
بعد الثورة الإسلامية، بدأت إيران رحلتها في مجال الفضاء من الصفر تقريباً. لم يكن لديها مصانع متخصصة، ولا خبرات متراكمة، ولا شراكات دولية. كل ما كان لديها هو إرادةٌ وعقيدةٌ تقول: «نصنع ما نحتاج إليه بأيدينا».
في 28 ديسمبر 2025، أطلقت روسيا ثلاثة أقمار صناعية إيرانية الصنع دفعة واحدة من قاعدة فوستوشني: «ظفر-2»، «كوثر»، و«بايا». كانت هذه الأقمار مصممة ومصنّعة بالكامل داخل إيران، ووُضعت في مدار أرضي منخفض لمراقبة الموارد الطبيعية والزراعة والتغيرات البيئية.
قبل ذلك بأشهر، في يوليو 2025، أُطلق القمر «ناهيد-2» الاتصالاتي على متن صاروخ سويوز روسي، وهو قمرٌ يزن 110 كيلوغرامات ويمتلك نظام تحكم ثلاثي المحاور ونظام دفع للمناورة المدارية.
هذه ليست إنجازاتٍ معزولة. هذه سلسلةٌ متصلة من الإرادة. إيران أصبحت الدولة التاسعة عالمياً التي تصمم وتصنع وتطلق أقمارها الصناعية بشكل مستقل.
«كوكبة الشهيد سليماني»: مشروع الأمة في الفضاء
في فبراير 2026، أعلنت وكالة الفضاء الإيرانية أنها تجري اختبارات التوافق النهائية لإطلاق القمر «هاتف-3» على متن الصاروخ «سيمرغ» المحلي قبل نهاية العام الإيراني (مارس 2026). و«هاتف-3» ليس قمراً عادياً؛ إنه النموذج الكامل لاختبار «كوكبة الشهيد سليماني» المكونة من 24 قمراً صناعياً.
هذه الكوكبة ليست مشروعاً علمياً فحسب، بل هي مشروعٌ استراتيجي يهدف إلى توفير تغطية اتصالات ومراقبة واستطلاع مستقلة تماماً عن الأنظمة الغربية. حين يُغلق العالم أبواب الإنترنت والأقمار الصناعية أمام إيران، تبني إيران أقمارها الخاصة.
الفضاء كساحة مقاومة
لم يكن الغرب يتوقع أن تتحول العقوبات إلى محفزٍ. كل منعٍ لاستيراد قطعة إلكترونية كان يدفع المهندسين الإيرانيين إلى تصنيعها محلياً. كل رفضٍ للتعاون الدولي كان يُولّد شراكاتٍ مع روسيا والصين ودولٍ أخرى خارج المنظومة الغربية.
اليوم، تمتلك إيران قاعدة إطلاق فضائية في تشابهار (من المقرر افتتاحها رسمياً في ربيع 2026)، وصواريخ حاملة محلية مثل «سيمرغ» و«ذو الجناحين»، ومراكز بحثية في جامعة شريف وجامعة أمير كبير ومنظمة الصناعات الفضائية.
حين ضربت الضربات الأمريكية-الإسرائيلية بعض المنشآت في 2025-2026، لم تتوقف البرامج الفضائية. بل تسارعت. لأن الفضاء لم يعد ترفاً علمياً، بل أصبح جزءاً من عقيدة «الاقتدار الشامل».
الخاتمة: من يملك الفضاء يملك المستقبل
أراد الاستكبار أن تبقى إيران أسيرة الأرض. فصنعت صواريخها. أراد أن تبقى عمياء. فأطلقت أقمارها. أراد أن تبقى صامتة. فبنى شبكاتها الفضائية.
في أقل من عقدين، انتقلت إيران من دولةٍ لا تملك قمراً واحداً إلى دولةٍ تطلق أقماراً متعددة في رحلة واحدة، وتخطط لكوكبة كاملة تحمل اسم شهيدٍ من شهدائها.
الغرب يملك مئات الأقمار. لكن إيران تملك ما لا يُشترى: الإرادة التي تحول الحصار إلى سماء مفتوحة.
حاصروا الأرض… ففتحت السماء.
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (سورة الطلاق: 2-3)


