بين صخب الخطاب وهدوء المنطق: كيف تُبنى الأوطان؟

بين صخب الخطاب وهدوء المنطق كيف تُبنى الأوطان؟
يدعو النص إلى اعتماد الحوار والمنطق بديلاً عن التخوين والانفعال، مؤكداً أن بناء الأوطان يتحقق بالشراكة الوطنية واحترام الاختلاف، لا بالإقصاء والصراعات الإعلامية. فالدولة القوية تقوم على القانون والوعي والانتماء المشترك بعيداً عن الطائفية والمصالح الضيقة....

لا مشكلة في أن يرتفع الصوت حين يكون الإنسان في موقع الدفاع عن قضيته أو معتقده، فالصوت المرتفع في لحظات المواجهة قد يعكس تماسكاً وصلابةً وإيماناً عميقاً بما يحمله صاحبه من أفكار. بل إن الحضور الحازم الممزوج بشعارات الثورة والكرامة يمنح المتلقي انطباعاً بأن المتحدث ثابت لا يقبل المساومة على ما يراه حقاً، حتى إن الخصم نفسه قد يتردد أمامه حين يدرك أنه يواجه شخصاً يمتلك قناعة راسخة لا تهزها الضغوط.

لكن الأزمة الحقيقية لا تكمن في ارتفاع الصوت، بل في اللغة التي تُستخدم خلف هذا الصوت. فحين يتحول الخطاب إلى مساحة للإقصاء والتخوين وإلغاء الآخر، تصبح المناظرة ساحة صدام لا مساحة بحث عن الحقيقة. هنا يفقد الكلام قيمته الفكرية ويتحول إلى مجرد عملية تعبئة غرائزية تُنتج انقساماً مجتمعياً خطيراً.

إن من أصعب الأمور أن تقنع إنساناً بالتخلي عن أفكار تربى عليها منذ طفولته، تماماً كما يصعب عليه هو أن يتخلى عن بيئته الفكرية والعقائدية. فكل طرف هو ابن بيئته وثقافته وتجربته التاريخية. هناك من تربى على أن الحرية تبدأ بالتحرر من الآخرين، وهناك من تربى على أن الحرية الحقيقية تبدأ بالوقوف مع الآخرين ولو كان الثمن حياته. وبين هذين المفهومين تنشأ فجوة فكرية عميقة لا يمكن ردمها بالصراخ ولا بالإهانة، بل بالحوار والفهم والتدرج في بناء القناعة.

ولهذا فإن أي محاولة حقيقية للتأثير الفكري لا بد أن تبدأ من الجذور لا من النتائج. فمن غير المنطقي أن تستشهد بآيات أو نصوص دينية أمام شخص لا يؤمن أصلاً بالمقدمات التي تقوم عليها تلك النصوص. الإشكالية هنا ليست في النص، بل في اختلاف المنطلقات الفكرية. فالبعض يناقش النتائج لأنه لا يعترف بالأسباب، بينما المفكر الحقيقي هو من يمتلك القدرة على تثبيت الأساس قبل الانتقال إلى البناء عليه.

من هنا تصبح المناظرة مسؤولية أخلاقية وفكرية قبل أن تكون استعراضاً إعلامياً. فإذا كنت تمتلك المعرفة والحجة، فاصعد إلى المنبر بشجاعة، وضع كل ما لديك أمام الرأي العام، لكن بلغة هادئة، رصينة، وحازمة في آن واحد. لأن الحزم لا يعني الانفعال، والقوة لا تعني الشتيمة، والثقة لا تحتاج إلى تخوين الآخرين.

أما حين يتحول الإعلام إلى مجرد منصة للـ“سكوبات” وحصد المشاهدات والإثارة الرخيصة، فإن الخسارة لا تقع على شخص أو فريق سياسي فحسب، بل على مجتمع بأكمله. إذ يصبح الرأي العام أسير الانفعال، وتتحول القضايا الوطنية إلى مادة للاستهلاك الإعلامي بدلاً من أن تكون مشروعاً لبناء الدولة.

إن ما يحتاجه لبنان اليوم، وربما أكثر من أي وقت مضى، هو خطاب العقل والمنطق. خطاب يقوم على الإقناع لا على الكسر، وعلى تدوير الزوايا لا على تفجيرها. لأن الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع هي أننا، مهما اختلفنا، أبناء وطن واحد، وأن نقطة الاشتباك تبدأ عندما يحاول كل طرف بناء الوطن على صورته الخاصة وأهوائه المسبقة، لا على قاعدة الشراكة الوطنية.

ورغم كل الانقسامات، يبقى هناك قاسم مشترك لا يمكن تجاهله: أنت تريد وطناً، وأنا أريد وطناً أيضاً. وإذا كانت الغاية واحدة، فلماذا لا يكون الحوار هو الطريق؟ لماذا لا نجلس حول فكرة الانتماء بدل أن نتحصن خلف متاريس الإقصاء؟

إن الأوطان لا تُبنى بالغلبة الدائمة، ولا بالانتصار المؤقت لفريق على آخر، بل تُبنى حين يقتنع الجميع أن الدولة أكبر من الطوائف، وأكبر من المحاور، وأكبر من الولاءات الخارجية. دولة لا شرقية ولا غربية، بل جمهورية لبنانية حقيقية، يكون معيارها الإنسان، ويحكمها القانون، ويصونها الوعي.

وحين يصل اللبناني إلى هذه القناعة، سيدرك أن أخطر الحروب ليست تلك التي تُخاض بالسلاح، بل تلك التي تُخاض بالكلمات حين تتحول إلى أدوات كراهية بدل أن تكون جسوراً نحو وطن يتسع للجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *