تدمير المنهج العلمي.. السلاح الخفي في حروب القرن الحادي والعشرين

تدمير المنهج العلمي.. السلاح الخفي في حروب القرن الحادي والعشرين
يتناول النص استهداف البنية العلمية للدول الصاعدة بوصفه سلاحًا خفيًا في الحروب الحديثة، مؤكدًا أن الضغوط الاقتصادية والعزل التكنولوجي يهدفان إلى منع الاستقلال المعرفي وإبقاء الدول ضمن دائرة التبعية والهيمنة الدولية....

لم تعد الحروب في زمننا هذا حكراً على ميادين القتال وآلات الدمار، بل باتت تُشنّ في الخفاء، عبر أروقة الاقتصاد ومختبرات التكنولوجيا وقاعات المعرفة. وفي هذا السياق المتحوّل، يغدو استهداف البنية العلمية لأي دولة صاعدة من أشد الأسلحة فتكاً وأقلها ضجيجاً في منظومة الصراع الدولي المعاصر.

وتمثّل إيران في هذا الإطار نموذجاً استثنائياً يستحق التأمل. فعلى الرغم مما تعرّضت له من حصار اقتصادي خانق وضغوط متواصلة نجحت في تشييد قاعدة علمية راسخة في مجالات بالغة الحساسية من تكنولوجيا الفضاء إلى تقنية النانو ومن الصناعات الدوائية إلى المنظومة الدفاعية حتى باتت منتجاتها تطرق أبواب عشرات الدول. وهذا التقدم لا يُقرأ على أنه إنجاز علمي فحسب بل هو في جوهره تحوّل في معادلة القوة وإعلان صامت بأن ثمة لاعباً جديداً يعيد رسم خريطة النفوذ.

وفي هذا السياق بالذات لا يمكن قراءة الحرب الأمريكية على إيران بمعزل عن هذا البُعد الاستراتيجي الخفي. فما يجري اليوم ليس مجرد صراع نووي أو صدام جيوسياسي على النفوذ الإقليمي بل هو في أحد أبعاده الجوهرية حرب ممنهجة على العقل الإيراني المنتج. إن تعطيل الحركة العلمية في إيران وتجفيف روافدها وعزلها عن الشبكة المعرفية الدولية يمثّل هدفاً استراتيجياً أمريكياً بامتياز لا يقل أهمية عن الضغط العسكري أو الحصار الاقتصادي. ذلك أن واشنطن تُدرك قبل غيرها أن إيران التي تملك العلم لا يمكن إخضاعها وأن المختبر الإيراني حين ينتج فإنه لا يُغذّي الداخل وحسب بل يُصدّر استقلالاً من نوع آخر يكسر شرط التبعية من جذوره ويُقوّض منطق الهيمنة في أساسه.

وعند هذه النقطة بالذات تبدأ الإشكالية الحقيقية. حين تعبر دولةٌ عتبةَ الإنتاج العلمي والتكنولوجي المستقل فإنها لا تنافس في الأسواق وحسب بل تهدد منظومة الاحتكار المعرفي التي طالما صانت هيمنة القوى الكبرى وتكسر شرط التبعية الذي فُرض على دول الجنوب طوال عقود. ولهذا السبب بالذات لا يكون الصراع مع هذه الدول عسكرياً في الغالب بل يأخذ أشكالاً أكثر دهاءً وأعمق أثراً.

الضغوط الاقتصادية الممنهجة والقيود المفروضة على نقل التكنولوجيا والعزل الأكاديمي واستهداف الكفاءات العلمية كلها أدوات تتظاهر في ظاهرها بالطابع السياسي والأمني لكنها في باطنها تضرب مباشرة القلب النابض لأي مشروع نهضوي حقيقي وهو المنهج العلمي ذاته.

والحديث هنا ليس ترفاً فكرياً في نظرية المؤامرة بل هو استقراء لنمط سلوك متكرر وموثّق في تاريخ النظام الدولي حيث تُوظَّف الأدوات الاقتصادية والتجارية بصورة ممنهجة لتعطيل صعود المنافسين وإبقائهم في دائرة التبعية. وفي هذا الضوء تكتسب السياسات التي ميّزت إدارة دونالد ترامب معنىً أعمق مما يبدو في ظاهرها إذ لا تبدو مجرد ضغوط تفاوضية عابرة بل تعكس رؤية استراتيجية ترى في الاقتصاد والمعرفة ساحة معركة مفتوحة لا هوادة فيها.

ولا يعني هذا بالضرورة إعلان حرب صريحة على العلم بقدر ما يعني أن نتائج هذه السياسات تقود عملياً إلى تجريف البيئة العلمية من داخلها من خلال تقليص التمويل وتكبيل التعاون الدولي ودفع العقول نحو الهجرة أو الصمت في مشهد يُفضي في نهاية المطاف إلى إفقار الدولة المستهدفة من أثمن ما تملك.

وفي المقابل تجد الدول التي تقع تحت مطرقة هذا الاستهداف نفسها أمام معادلة قاسية لا ثالث لها إما الانخراط في نظام عالمي يفرض شروطه بيد من حديد أو السير في طريق الاستقلال العلمي وسط عواصف من الضغط والحصار وهو خيار مكلف ومضنٍ لكنه الخيار الوحيد لمن يرفض أن يكون هامشاً في تاريخ يصنعه غيره.

والخلاصة الصارمة التي لا مفرّ منها أن العلم لم يعد حيادياً ولم يعد ملكاً مشتركاً للبشرية كما أريد له أن يكون. من يملك المعرفة يملك القرار ومن يُحرم من أدواتها يُدفع إلى هامش التاريخ مهما اتكأ على ثروات الأرض وخيرات الطبيعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *