في تاريخ الرسالة المحمدية، ثلاثة اجتماعات جرت على أرض واحدة وتحت سماء واحدة، غير أنها أفضت إلى نهايات متباينة تباين الليل والنهار، ولم يكن الفارق بينها في عدد الحاضرين ولا في فخامة المكان، بل في شيء واحد فقط: النيّة التي سبقت الاجتماع، والغاية التي حكمت قراره.
اجتمع سادة قريش في دار الندوة، وكانوا أصحاب رأي وتجربة وسلطة، فأجادوا في التداول وأحكموا في التخطيط، لكن موضوعهم كان اغتيال نبيّ. فانقلب اجتماعهم إلى وصمة خالدة، وصار اسم دار الندوة في ذاكرة التاريخ مرادفاً للمؤامرة على الحق. واجتمع في سقيفة بني ساعدة رجالٌ لكلٍّ منهم سلطته الأخلاقية وحجّته الظاهرة، لكن الاجتماع انعقد تحت وطأة السباق على الكرسي، فأنتج واقعاً أثقل كاهل التاريخ بخلافٍ لم تنتهِ فصوله. أما اجتماع الكساء فلم يكن فيه خطب ولا تصويت ولا تدافع على المقاعد، بل كان خمسة أشخاص تحت نسيج بسيط، فشهدت لهم السماء وبقي اسمهم مضيئاً عبر القرون.
اليوم، وقد نجح الإطار التنسيقي في اختراق جدار الانسداد السياسي بتقديم مرشحه لرئاسة مجلس الوزراء، يقف العراق أمام سؤال لا يحتمل المراوغة: بأيّ عقلية من هذه المصاديق الثلاثة ستُدار البلاد خلال الثلاثين يوماً القادمة وما بعدها؟
لأن الإطار ليس كتلة واحدة متجانسة، بل هو تحالف تتجاذبه مراكز نفوذ متعددة، كل منها يمسك بخيط في ثوب الحكومة القادمة. والسؤال الحقيقي ليس من سيكون وزير النفط أو وزير الداخلية، بل أيّ الجهات ستهيمن على القصر الجمهوري، وبأيّ عقل ستفكّر؟ فإن كانت الهيمنة لمن يرى في الحكومة غنيمة توزَّع وحصصاً تُقتسم، فنحن أمام دار الندوة من جديد، اجتماعٌ يُخطّط بحرفية ويُنفَّذ بكفاءة، لكن على حساب الوطن لا لصالحه. وإن كانت الهيمنة لمن يُقصي شركاءه بذريعة الأغلبية ويُضيّق دائرة القرار حتى تصير حلقة واحدة تدور على نفسها، فنحن أمام سقيفة العصر، تُنتج حكومة مكتملة الشكل مشروخة الجوهر. أما إن تمكّنت من داخل الإطار إرادة حقيقية تضع البرنامج الحكومي فوق التوافق، والكفاءة فوق المحاصصة، والمواطن في مركز القرار لا في هامشه، فثمة فرصة نادرة لاجتماع يستحق أن يُذكر.
والمفارقة المؤلمة أن زعماء الإطار يعرفون هذه المصاديق الثلاثة جيداً، يتلونها في خطبهم ويستشهدون بها في مجالسهم، لكن معرفة الدرس شيء وتطبيقه على النفس شيء آخر. فكم من سياسي عراقي صعد المنبر وتحدّث عن العدل والولاية والأمانة، ثم نزل ليعقد اجتماعه الخاص بمنطق الغنيمة ذاتها.
الثلاثون يوماً القادمة ليست مهلة دستورية فحسب، بل هي مرآة ستكشف للعراقيين أيّ وجه يحمله من يحكمهم. فالتاريخ لم يرحم أهل دار الندوة على سلطتهم، وأثقلت سقيفةُ بني ساعدة كاهلَ من جلسوا فيها بتبعاتٍ امتدت عبر الأجيال، في حين لا يزال الكساء يُتلى في كل بيت ويُبكى عند ذكره في كل مجلس. والأسماء التي ستُكتب في سجل هذه الحكومة ستجد نفسها يوماً في إحدى هذه الخانات الثلاث، شاء أصحابها أم أبوا، فالتاريخ لا يستأذن أحداً حين يكتب حكمه.


