مضيق هرمزلم يعد مجرد نقطة جغرافية على الخارطة، بل تحول إلى ‘صمام أمان’ للسيولة المالية العالمية وشريان حيوي يغذي عصب الاقتصاد العالمي. ففي ظل التجاذبات الراهنة بين الاطراف المتنازعة، يقف العالم أمام سيناريوهين أحلاهما مرّ. حصار أمريكي يسعى لتصفير الصادرات النفطية الإيرانية وتجفيف منابع النقد في طهران، وتهديد إيراني بقلب الطاولة عبر إغلاق المضيق، ما يعني وضع الاقتصاد العالمي في مواجهة صدمة اقتصادية غير مسبوقة.
وبصفتنا مراقبين للمشهد المالي، لا نقرأ الصراع بتحركاته العسكرية ، بل نقرأ ‘حرب ألارقام’ والمعادلات المعقدة من التضخم، وعلاوات المخاطر، واختلال موازين المدفوعات. فمن يمتلك النفس الأطول في هذه المقامرة الجيواقتصادية؟ ومن سوف تسقطه ‘الضربة القاضية. الاقتصاد الإيراني المثقل بالعقوبات، أم الأسواق العالمية التي تعاني من انقطاع خمس إمداداتها من الطاقة؟ فلتاخذنا المقالة الى نقاط القوة الاقتصادية لكل طرف من الاطراف المتنازعة:
سلاح الحصار الأمريكي (خنق التدفقات المالية وتصفير المبادلات)
لا يمكن توصيف الحصار الأمريكي على إيران بكونه مجرد منع لحركة البضائع، بل هو في جوهره حصار نقدي ومصرفي عابر للحدود. تعتمد واشنطن في استراتيجيتها على سلاح “الضربة المالية” من خلال مسارين رئيسييين تضرب بهما العمق المالي لطهران:
1. تصفير الصادرات النفطية وعجز ميزان المدفوعات:
تستهدف العقوبات الوصول بصادرات النفط الإيرانية إلى “الصفر التقني”. بالنسبة لدولة تعتمد ميزانيتها العامة بشكل بنيوي على الريع النفطي، فإن هذا الحصار قد يؤدي إلى فجوة هائلة في ميزان المدفوعات. من منظور مالي، هذا يعني نضوباً في الاحتياطيات الأجنبية مستقبلا، مما يضع البنك المركزي الإيراني في حالة عجز عن التدخل لحماية العملة المحلية المتدهورة اصلا، وينتج عن ذلك التضخم الجامح.
2. سلاح الدولار والولاية القضائية الطويلة.
تستخدم الولايات المتحدة هيمنة الدولار كأداة ضغط .فالمؤسسات المالية الدولية تخشى (العقوبات الثانوية) . هنا، تظهر مخاطر السمعة حيث تضطر البنوك العالمية (حتى غير الأمريكية منها) لقطع علاقاتها مع إيران لتجنب الحرمان من الوصول إلى النظام المقاصي الدولاري (CHIPS).
الحصار الأمريكي يعمل وفق مبدأ (التجفيف التدريجي للسيولة). هو لا يسعى لإسقاط النظام اقتصادياً بين ليلة وضحاها، بل يهدف إلى إيصال الاقتصاد إلى حالة من الجمود الهيكلي حيث تتوقف الاستثمارات الرأسمالية تماماً، وتتحول الدولة إلى اقتصاد البقاء.
ننتقل الآن للجانب الثاني، وهو الجانب الذي يمثل الرد الصادم من الجانب الايراني في حال تأزمت الأمور، وهو ما يهم الأسواق المالية والنفطية بشكل مباشر.
ورقة الإغلاق الإيرانية (صدمة العرض العالمي وانفجار علاوة المخاطر)
إذا كان الحصار الأمريكي هو عملية خنق بطيء، فإن إغلاق مضيق هرمز من قبل إيران يمثل صدمة نظامية للأسواق العالمية. هذه الخطوة ليست مجرد إجراء عسكري، بل هي أداة ضغط مالي قادرة على إعادة صياغة منحنى الأسعار في لحظات.
1. انفجار علاوة المخاطر الجيوسياسية.
بمجرد حدوث أي تهديد جدي للإغلاق، تتفاعل أسواق العقود الآجلة للنفط بشكل فوري. المتداولون لا يسعرون النفط بناءً على العرض والطلب الحالي فقط، بل بناءً على التوقعات المستقبلية. إغلاق المضيق يعني خروج قرابة 21 مليون برميل يومياً من السوق، مما قد يدفع الأسعار للقفز بمستويات قياسية (تتجاوز 150 دولاراً للبرميل)، وهو ما يُعرف بظاهرة التغير السعري الحاد. ولا تقتصر خطورة إغلاق المضيق على الذهب الأسود فحسب، بل تمتد لتطال إمدادات الغاز الطبيعي المسال (LNG)، حيث يمر عبره قرابة 20% من إجمالي التجارة العالمية للغاز، معظمها من قطر. وبما أن الغاز لا يمكن تخزينه بسهولة مثل النفط، فإن انقطاع الإمدادات سيؤدي إلى انهيار أمن الطاقة في آسيا دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين تعتمد كلياً على غاز المضيق لتشغيل محطات الكهرباء. انكشاف القارة الأوروبية: في ظل البحث عن بدائل للغاز الروسي، يمثل غاز المضيق طوق النجاة لأوروبا، وأي انقطاع يعني قفزات جنونية في أسعار الطاقة المنزلية والصناعية، مما قد يؤدي إلى ركود تضخمي عالمي.
2. اختلال سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف التأمين البحري:
تعد شركات التأمين وإعادة التأمين العالمية لاعباً رئيسياً هنا. عند تصنيف المنطقة كـ (منطقة حرب)، ترتفع علاوات التأمين على السفن والشحنات لمستويات فلكية. هذا الارتفاع ينعكس فوراً على تكلفة البضائع النهائية ، مما يساهم في تصدير التضخم للعالم أجمع، وليس فقط للدول المستهلكة للنفط.
3. أثر “العدوى” في الأسواق المالية والبورصات:
الأسواق المالية تكره “عدم اليقين”. إغلاق المضيق سيؤدي إلى رحلة (الهروب إلى الأمان)، حيث تسيل الاستثمارات من الأسهم والعملات الناشئة لتتجه نحو الذهب والسندات الأمريكية (رغم الصراع مع واشنطن)، مما يسبب حالة من الذعر المالي قد تضرب استقرار صناديق الاستثمار العالمية.
إن ورقة الإغلاق الإيرانية هي بمثابة (الخيار النووي الاقتصادي). فبينما يضرب الحصار الأمريكي الاقتصاد الجزئي والكلي لإيران، فإن إغلاق المضيق يضرب الاستقرار النقدي العالمي. هي محاولة لفرض معادلة: (إذا لم نصدر نفطنا، فلن يصدر أحد)، وهي استراتيجية تهدف لرفع تكلفة الحصار على واشنطن وحلفائها لدرجة لا يمكن تحملها اقتصادياً.
ميزان القوى الاقتصادي (من يصمد أطول في حرب الاستنزاف؟)
عندما تصل الأمور إلى حافة الهاوية، يتحول السؤال من يملك القوة؟ من لديه القدرة على امتصاص الصدمة؟. هنا نقارن بين اقتصادين بتركيبتين مختلفتين تماماً:
الاقتصاد الإيراني صلابة الأزمات واقتصاد المقاومة.
رغم التضخم وتهالك البنية التحتية، يمتلك الاقتصاد الإيراني ميزة (التعود على العزلة). لقد طور آليات للالتفاف المالي واقتصاداً داخلياً شبه مغلق. من وجهة نظر مالية، الصمود الإيراني يعتمد على مدى قدرة (اقتصاد الظل) والشركاء التجاريين الإقليميين على توفير الحد الأدنى من النقد الأجنبي. الضربة هنا قد تكون اجتماعية أكثر منها اقتصادية و مالية.
الاقتصاد العالمي هشاشة الارتباط وحساسية الأسواق.
على الجانب الآخر، الاقتصاد العالمي (وخاصة الغربي) يتميز بـ الحساسية المفرطة. البنوك المركزية العالمية، التي تكافح أصلاً لضبط التضخم، لن تجد أدوات نقدية لمواجهة قفزة سعر النفط إلى 150 دولاراً. الضربة الاقتصادية هنا ستترجم إلى خسائر في تريليونات الدولارات من القيمة السوقية للبورصات، وضغوط سياسية هائلة على الإدارة الأمريكية مع اقتراب أي دورات انتخابية أو استحقاقات اقتصادية.
البدائل اللوجستية.
رغم وجود أنابيب نفط تتجاوز المضيق (عبر السعودية والإمارات)، إلا أن سعتها الإجمالية لا تغطي أكثر من 30% إلى 40% من الكميات المارة بالمضيق. ماليًا، تكلفة النقل عبر الأنابيب والالتفاف اللوجستي ترفع من سعر التكلفة النهائية، مما يعني أن الضربة الاقتصادية ستصيب الجميع.
وفي نهاية المطاف، إن الصراع في مضيق هرمز ليس مباراة صفرية تنتهي بسقوط طرف واحد، بل هو ‘انتحار اقتصادي مشترك’. فبينما يطحن الحصارُ المواطنَ الإيراني، فإن إغلاق المضيق يهدد بهدم معبد الاستقرار المالي العالمي فوق رؤوس الجميع. المنتصر في هذه المعركة ليس من يسدد الضربة الأولى، بل من يمتلك ‘مخزونات استراتيجية’ – سياسية ومالية – تمكنه من الصمود ليوم واحد إضافي بعد سقوط الآخر.”

