ليس ما جرى في واشنطن يومي الخميس والجمعة الماضيين مجرّد اجتماعات سياسية عابرة، ولا هو تفصيل دبلوماسي يمكن إدراجه في خانة “المساعي الدولية” لخفض التصعيد. ما جرى، بالنسبة إلى الجنوبيين الذين يعيشون تحت النار يوميًا، بدا وكأنه تمديد رسمي لعمر المأساة، ومنحٌ إضافيّ لآلة الحرب كي تواصل القتل والتدمير والحرق، فيما الوفد اللبناني يكتفي بلغة باردة لا تشبه الدم النازف من القرى الحدودية.
خمسة وأربعون يومًا إضافية من الانتظار الثقيل. خمسة وأربعون يومًا تُقاس بعدد البيوت التي ستُسوّى بالأرض، بعدد الأمهات اللواتي سينتظرن أبناءهن تحت الركام، بعدد القرى التي ستتحول إلى خرائط رماد. هكذا يقرأ أهل الجنوب نتائج المفاوضات، لا عبر البيانات الرسمية المنمّقة، بل عبر أصوات الطائرات، وصفارات الإسعاف، وأعمدة الدخان التي ترتفع كل يوم فوق أراضيهم.
المؤلم ليس فقط استمرار العدوان، بل ذلك الإحساس العميق بأن السلطة اللبنانية دخلت إلى المفاوضات بلا غضب يليق بحجم الكارثة، وبلا لغة تعكس وجع الناس، وكأن المطلوب منها إدارة الخسارة لا مواجهة أسبابها. والأسوأ أن المتابعة الرئاسية الدقيقة للمحادثات من بعبدا، لحظة بلحظة، لم تُنتج موقفًا حاسمًا يطمئن اللبنانيين بأن هناك من يدافع فعلًا عن حقهم بالحياة والكرامة والسيادة.
أي معنى للسيادة إذا كان الجنوب يُحرق يوميًا فيما المسؤولون يكتفون بانتظار نتائج الوساطات؟ وأي دولة هذه التي تبدو عاجزة حتى عن رفع صوتها بمستوى الألم الوطني؟ الناس لا تطلب معجزات، بل تريد أن تشعر أن دماءها ليست بندًا تفاوضيًا مؤجلًا على طاولات الخارج.
لقد تحوّل الجنوب، مرة جديدة، إلى ساحة اختبار للمصالح الدولية والإقليمية، فيما اللبناني البسيط يدفع الثمن وحده: منزله، رزقه، أرضه، وذاكرته. أما المجتمع الدولي الذي يتحدث طويلًا عن الاستقرار وحقوق الإنسان، فيبدو كمن يطالب الضحية بالصبر ريثما تنتهي الحسابات الكبرى.
وفي المقابل، يزداد شعور شريحة واسعة من اللبنانيين بأن بعض السلطة يتعامل مع العدوان بمنطق الاحتواء السياسي لا بمنطق المواجهة الوطنية، وكأن المهم ألّا تُزعج الدولة الوسطاء الدوليين، حتى لو كان الثمن مزيدًا من القتل والتهجير. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين يصبح الخوف على التوازنات السياسية أكبر من الخوف على الناس أنفسهم.
إن الجنوب ليس تفصيلًا جغرافيًا يمكن عزله عن الوطن، ولا أهل الجنوب مجرّد أرقام في نشرات الأخبار. هؤلاء مواطنون تُقصف بيوتهم كل يوم، فيما الخطاب الرسمي يزداد برودة، والمفاوضات تزداد غموضًا، والوقت يُستهلك على حساب الدم اللبناني.
لهذا، فإن كثيرين لن يقرأوا ماخرج من واشنطن بوصفه “تقدمًا دبلوماسيًا”، بل باعتباره تمديدًا مفتوحًا لزمن النار، ومنحًا إضافيًا للعدوان كي يُكمل ما بدأه، وسط صمت رسمي يثير الغضب أكثر مما يثير الطمأنينة.
قد تنجح السياسة أحيانًا في تأجيل الانفجار، لكنها تفشل أخلاقيًا عندما تعجز عن حماية الناس. وحين يصبح المواطن مقتنعًا أن المفاوضات لا توقف الموت بل تنظّمه، فذلك يعني أن الثقة بين السلطة وشعبها دخلت أخطر مراحلها.


