هل دخل الخليج مرحلة ما بعد الحماية الأمريكية ؟

هل دخل الخليج مرحلة ما بعد الحماية الأمريكية ؟
يدخل الخليج مرحلة استراتيجية جديدة مع تراجع الضمانات الأمريكية وتصاعد النفوذ الإقليمي الإيراني، وسط تحولات شعبية وسياسية تعيد تعريف الأمن والتحالفات والتوازنات الداخلية، وتدفع دول الخليج نحو تنويع الشراكات وبناء قدرات ذاتية لمواجهة عالم إقليمي متغير....

يدخل الخليج اليوم أخطر مرحلة استراتيجية منذ حرب الخليج الأولى بين العراق والجمهورية الإسلامية. ليس بسبب حرب تقليدية مباشرة فقط، بل لأن الأسس التي بُني عليها النظام الإقليمي طوال أربعة عقود بدأت تتغير من الداخل.

لسنوات طويلة كان هناك اتفاق غير معلن يحكم المنطقة:

الخليج يضمن استقرار الطاقة والاقتصاد العالمي، والولايات المتحدة تضمن الحماية العسكرية والسياسية لدول الخليج. أما إيران، فتبقى تحت الاحتواء والردع والعقوبات.

لكن هذا النموذج بدأ يتصدع بوضوح. الحرب الأخيرة والتوترات المتصاعدة في المنطقة كشفت حقيقة صادمة لكثير من العواصم الخليجية:

أمريكا لم تعد مستعدة لخوض الحروب نفسها التي خاضتها سابقًا من أجل الخليج، وإيران رغم أزماتها الاقتصادية ما زالت قادرة على تهديد استقرار المنطقة وإرباك الاقتصاد العالمي.

هذا التحول خلق حالة قلق عميقة داخل الخليج، لأن المسألة لم تعد مجرد خلاف سياسي مع إيران، بل أصبحت سؤالًا وجوديًا: من يحمي الخليج إذا تغيرت أولويات واشنطن؟

في البحرين مثلًا، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا وحساسية.
فالجزيرة الصغيرة تقع فوق خط تماس سياسي ومذهبي واستراتيجي شديد الحساسية:
أغلبية شيعية، حكم سني، وجود عسكري أمريكي ضخم، وقرب جغرافي ونفسي من إيران.

ولهذا فإن أي توتر إقليمي سيتحول بسرعة إلى توتر داخلي. كل مواجهة بين واشنطن وطهران تنعكس مباشرة على الأمن الداخلي البحريني، وعلى العلاقة الدقيقة بين الدولة والمجتمع.

لكن البحرين ليست وحدها.

الإمارات أيضًا، رغم صورتها كواحة استقرار وحداثة، بدأت تواجه أسئلة جديدة لم تكن مطروحة قبل سنوات:


هل التحالف الوثيق مع أمريكا يكفي لحمايتها؟ وهل يمكن للاقتصاد العالمي والاستثمارات والسياحة أن تستمر بالوتيرة نفسها إذا أصبحت المنطقة ساحة صراع مفتوح؟

الضربات الأخيرة وما رافقها من تردد أمريكي في الانخراط العسكري الكامل أرسلت رسالة واضحة إلى الخليج:
زمن الضمانات المطلقة انتهى. و الأخطر من ذلك أن التحولات لم تعد سياسية فقط، بل اجتماعية وشعبية أيضًا.

لفترة طويلة كان يُنظر إلى المنطقة من زاوية الانقسام السني الشيعي، وكان الاعتقاد السائد في الغرب أن الشعوب العربية السنية ستقف تلقائيًا ضد إيران الشيعية. لكن ما حدث بعد حرب غزة غير جزءًا من هذا التصور.

في كثير من المجتمعات العربية، بدأ الصراع يُقرأ بطريقة مختلفة: ليس باعتباره صراعًا مذهبيًا، بل باعتباره مواجهة بين محور يرفع شعار مقاومة إسرائيل والهيمنة الأمريكية، ومحور آخر يُنظر إليه باعتباره قريبًا من الغرب.

لهذا ظهرت حالة تعاطف شعبي مع إيران في بعض البيئات العربية، حتى لدى قطاعات تختلف معها دينيًا وسياسيًا.

هذا التعاطف لا يعني بالضرورة قبول المشروع الإيراني بالكامل، لكنه يعكس تغيرًا مهمًا في المزاج الشعبي العربي.

الخليج إلى اليوم يقف أمام لحظة إعادة تعريف كبرى:
إعادة تعريف للتحالفات، ولمفهوم الأمن، ولشكل العلاقة مع أمريكا، وحتى لطبيعة التوازنات الداخلية.

فدول الخليج بنت نموذجها الحديث على ثلاث ركائز:
الأمن، والاستقرار، والانفتاح الاقتصادي. لكن الحروب الأخيرة كشفت أن هذه الركائز يمكن أن تهتز بسرعة إذا تحولت المنطقة إلى ساحة صراع إقليمي مفتوح.

ولهذا بدأ الخليج يتحرك في اتجاهات جديدة:
تهدئة مع إيران، تقارب مع الصين، تنويع العلاقات الدولية، وبناء قدرات ذاتية عسكرية وتقنية واقتصادية.

الخليج لا يريد الحرب، اأنه يعرف أنه سيكون أول من يدفع ثمنها.

ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل بداية مرحلة جديدة في الشرق الأوسط:
مرحلة تتراجع فيها الهيمنة الأمريكية المطلقة، وتتصاعد فيها القوى الإقليمية، وتصبح فيها دول الخليج مطالبة بالاعتماد على نفسها أكثر من أي وقت مضى.

السؤال الحقيقي لم يعد:
هل ستقع مواجهة في الخليج؟ بل:كيف سيعيد الخليج بناء نفسه في عالم لم يعد يشبه العالم الذي عرفه خلال العقود الماضية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *