توازن الخوف: كيف تتحدث الصواريخ حين تصمت السياسة

توازن الخوف كيف تتحدث الصواريخ حين تصمت السياسة
التصعيد الإيراني يمثل رسالة ردع سياسية وعسكرية، وسط صراع إعلامي متبادل، مع استمرار التصعيد المضبوط دون حرب شاملة، حيث يسعى الطرفان لإعادة رسم قواعد الاشتباك وبناء توازن خوف يحدد مستقبل المواجهة....

في لحظات التصعيد الحاد، يصبح من السهل الانجراف وراء الانطباع الأول: “هذه بداية حرب كبرى”. لكن القراءة الأعمق لما يحدث بين الجمهورية الإسلامية والكيان تكشف صورة أكثر تعقيداً، وأكثر خطورة في الوقت نفسه.

حين تتحول الضربة إلى رسالة:

الرد الإيراني السريع والعنيف، خصوصاً إذا جاء بعد تصريحات نتنياهو حول تدمير القدرات الصاروخية، لا يمكن فهمه فقط كعمل عسكري. هو بالدرجة الأولى بيان سياسي بالنار.

إيران هنا لا تكتفي بالرد، بل تسعى إلى: نفي الرواية الصهيونية ميدانياً، لا إعلامياً. وإثبات بقاء القدرة رغم الضربات. وتثبيت الردع الذي ظن الكثيرين انه تآكل بفعل الهجمات السابقة.

بمعنى آخر: الصواريخ ليست فقط أدوات قتال، بل أدوات خطاب سياسي من الطراز الاول.

بين الحقيقة والدعاية:

في الحروب الحديثة، لا تقل المعركة الإعلامية شراسة عن المعركة العسكرية.

الكيان يعلن على لسان رئيس وزرائه تدمير منصات ومخازن، ومصانع الصواريخ.  وإيران ترد بضربات كثيفة توحي بالعكس.

الحقيقة غالباً تقع في المنتصف: نعم، قد يكون تم تدمير جزء من القدرات. لكن لا، لم يتم شلّها بالكامل. وهنا تكمن خطورة اللحظة:

كل طرف يحاول فرض روايته كحقيقة نهائية، والسلاح والميدان هو وسيلة الإثبات. وف. اثبتت ايران ذلك.

تصعيد لكن محسوب:

رغم وصف الهجوم بأنه “الأعنف” منذ بدء الحرب، فهذا لا يعني بالضرورة أننا أمام حرب شاملة. بل نحن أقرب إلى ما يمكن تسميته: تصعيد مضبوط الإيقاع كيف ذلك؟

إيران ترفع مستوى الرد دون كسر الخطوط الحمراء الكبرى. والكيان يضرب لكنه لا يذهب (حتى الآن) إلى الخيارات التي تؤدي الى الحرب الشاملة.

الجميع يقترب من الحافة، لكن دون القفز.

من التفوق إلى توازن الخوف؛

في المراحل الأولى، بدا أن الكيان يمسك بزمام المبادرة عسكرياً. لكن مع رد إيراني كثيف ومباشر، يتغير المشهد. اللحظة الأخطر ليست ما حدث، بل ما سيأتي:

القصف الأعنف ليس بالضرورة الذروة. والسؤال الحقيقي هو: ماذا بعد؟ هل ترد إسرائيل بضربة أكبر؟ هل يتم استهداف مواقع أكثر حساسية؟ هل يحدث خطأ في الحسابات؟

التاريخ يخبرنا أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بقرار واضح، بل أحياناً بـ سلسلة ردود متصاعدة خرجت عن السيطرة.

ما نشهده الآن ليس نهاية حرب، ولا بدايتها الكاملة. إنه شيء أكثر دقة وخطورة: هي مرحلة إعادة رسم قواعد الاشتباك بالقوة.

إيران تقول بالصواريخ التي دمرها ترامب 19 مرة، ونتنياهو زاد عليه انه دمر مخازنها ومصانع إنتاجها، تقول: “ليس بعدلم”. والكيان يقول: ما زلت في الميدان. وبين هاتين الجملتين، يتحدد مستقبل التصعيد.

الهدوء -إن جاء- لن يكون نتيجة حسن نية، بل نتيجة اقتناع الطرف المعتدي ان كلفة الخطوة التالية قد تكون أعلى من قدرته على تحملها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *