المقدمة:
مشروع المدارس الصينية لم يكن تجربة متعثرة فحسب، بل كشف عن خلل أعمق في بنية إدارة المال العام. فقد تآكلت الأموال المرصودة بين وسطاء وعقود متضخمة، فيما ظل الأثر التنموي محدودًا على الأرض.
وتكمن الإشكالية في المسار الذي يسلكه المال العام منذ دخوله النظام المالي وحتى تحوله إلى مشاريع تنفيذية، أكثر مما تكمن في طبيعة المقاول أو حجم التمويل.
العرض:
اختلالات بنيوية في إدارة العائدات
تتكرر في دورة الإنفاق العام مجموعة من الاختلالات، أبرزها:
- تغليب القرار السياسي على الاعتبارات الاقتصادية.
- ضعف الرقابة على مراحل الصرف المتتابعة.
- هشاشة منظومة الإحالة والمناقصات.
- توسع دور الوساطات المالية غير المنتجة.
الصندوق النفطي المُؤسِّس
يقوم المقترح على تخصيص ثلث العائدات النفطية وتوجيهها عبر شراكات مع دول صناعية متقدمة مثل اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية وفرنسا وبريطانيا والصين، ضمن صناديق استثمارية تُنشأ في تلك الدول.
وتُودَع هذه العائدات مباشرة في تلك الصناديق مع فصلها كليًا عن النظام المالي المحلي، بما يضمن عدم تسربها إلى الدورة المالية الداخلية أو خضوعها لأي تدخلات إدارية أو مالية.
وتُوجَّه هذه الصناديق نحو مشاريع استراتيجية طويلة الأمد، تشمل:
مدن صناعية بالشراكة مع كوريا الجنوبية.
شبكات نقل سريعة بالتعاون مع اليابان وألمانيا.
مراكز طبية وبحثية مع فرنسا وبريطانيا.
مشاريع طاقة متجددة مع ألمانيا.
مناطق تكنولوجية وبنية تحتية بالشراكة مع الصين.
إدارة الداخل
يُخصص ثلثا العائدات لإدارة الشأن الداخلي، بما يشمل:
- شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الهشة.
- الرواتب والخدمات الأساسية واستدامة الجهاز الإداري.
- الاستثمار في التعليم والبعثات العلمية.
- تطوير البنى التحتية من طرق وكهرباء ومياه.
- دعم القطاع الزراعي.
- توسيع مشاريع الطاقة البديلة.
التحديات المحتملة
- مقاومة سياسية داخلية
رفض محتمل من أطراف مستفيدة من نمط الإنفاق القائم.
- ضعف الإطار المؤسسي والقانوني
غياب تشريعات مستقرة لإدارة الصناديق طويلة الأمد.
- تعقيد الشراكات الدولية
تباين المصالح والإجراءات بين الأطراف الشريكة.
- مخاطر توازن السيولة الداخلية
احتمال ضغط على الإنفاق الداخلي عند توجيه جزء من العائدات للاستثمار.
الأعمق من ذلك هو أن نجاح الصندوق المؤسس يتطلب ليس فقط عزل العائدات عن الدورة المالية الداخلية، بل إعادة هيكلة نظام الحوافز السياسية بالكامل، حيث يُعاقب التبديد ويُكافأ التراكم. والأدلة من النرويج إلى بوتان تؤكد أن الصناديق السيادية تصبح أداة تنموية فقط حين تُحاط بإطار دستوري يمنع الاقتراض من أصولها، ويلزم الحكومات بتقارير أداء مستقلة أمام برلمان ذي صلاحيات رقابية حقيقية. دون هذه الضمانات، يظل الصندوق وديعة مؤجلة في انتظار آليات الهدر ذاتها، لكن باسم جديد.
الخاتمة:
يقف العراق أمام مسارين: استمرار نموذج الإنفاق التقليدي، أو الانتقال إلى نموذج يعيد تنظيم العائدات عبر صناديق استثمارية مُؤسِّسة، مع تخصيص الموارد المتبقية لإدارة الداخل.
ويظل التحول الحقيقي مرتبطًا بإعادة صياغة مسار المال العام منذ لحظة دخوله الاقتصاد، بما يجعل النفط أداة لبناء الدولة لا مجرد وسيلة لإدارة الإنفاق.


