لو عدنا بالذاكرة الى الوراء قليلا
لاكتشفنا الفارق الكبير بين موقف الشيعية من العدوان على ايران وموقفهم من الحرب التي شهدتها اذربيجان في ناغورني قره باغ الثانية عام 2020، والملفت أنها استمرت كذلك 44 يوماً وانتهت بانتصار واضح لأذربيجان،
فعلا إنها حالة لافتة من التباين في التفاعل الشعبي داخل الأوساط الشيعية، خصوصاً في العراق. فعلى الرغم من أن غالبية سكان أذربيجان ينتمون إلى المذهب الشيعي الا انها لم تحظ باي نوع من التفاعل الشعبي ، بل بدا أن هناك ميلاً شيعيا أكبر للتفاعل مع الطرف الأرمني.
هذا التباين لا يمكن فهمه من زاوية الانتماء المذهبي وحده، بل يرتبط بجملة من العوامل العقائدية والسياسية الاستراتيجية التي تشكل وعي الجمهور الشيعي اليوم. فالكثير من الشيعة ينظرون إلى موقع الدول في خارطة التحالفات الدولية والإقليمية، ويقيّمون مواقفها بناء على علاقاتها بالقوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، ومدى تقاطع هذه العلاقات مع القضايا التي يعتبرونها مركزية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية ومحور المقاومة في المنطقة.
من هذا المنطلق، لم ينظر الشيعة لهذه الحروب على أنها صراع بين شعبين أحدهما شيعي والآخر غير ذلك، بل كجزء من شبكة معقدة من الاصطفافات السياسية. لذلك كان التفاعل الشعبي مع ايران خلافًا لما عليه مع اذربيجان يمثل انعكاساً لهذه القراءة، حيث لم يكن البعد المذهبي هو العامل الحاسم، بل موقع كل طرف من الاصطفافات العالمية.
في المقابل، يُنظر إلى الموقف الشيعي، خاصة في بيئاته الفكرية والعقائدية، على أنه يستند إلى منظومة أعمق من مجرد الانتماء القومي أو الطائفي. فهناك تصور راسخ بأن الانحياز يجب أن يكون للحق كما يُفهم ضمن هذه المنظومة، وليس بالضرورة لمن يشاركهم في الهوية المذهبية. هذا الفهم يتغذى من تراث ديني وفكري يركز على مفاهيم العدالة ومواجهة الظلم، بغض النظر عن هوية الأطراف المتصارعة.
تصور يعكس رؤية أوسع لدور الشيعة في العالم، حيث يُقدمون أنفسهم حمَلة قيم إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية والقومية، وتسعى إلى الدفاع عن القضايا العادلة جهد الامكان. ومن هنا، فإن مواقفهم السياسية والشعبية غالباً ما تتشكل بناءً على هذا الإطار القيمي، لا على أساس الانتماء الضيق.
في هذا السياق، يظهر أيضاً نقدهم الضمني على مستوى التطبيق لمفهوم الوطنية حين يستخدم لعزل الشعوب عن بعضها أو لمنع تفاعلها مع القضايا الكبرى للأمة. فالتشيع يرى أن الانتماء الوطني لا ينبغي أن يكون حاجزاً أمام التضامن مع القضايا العادلة، بل جزءاً من منظومة أوسع من المسؤولية الأخلاقية.
وعليه فإن التفاعل الشيعي مع ايران في مواجهتها للعدوان (الصهيوامريكي) دون أن يحصل ذلك مع اذربيجان لم يكن نتاج تناقض في المواقف، بل نتيجة قراءة مختلفة لطبيعة الصراع وسياقاته. قراءة تنطلق من رؤية سياسية وعقائدية ترى أن الانحياز يبنى على أساس القيم والمبادئ ، لا على أساس الهوية المذهبية وحدها .


