ترامب يقرأ إيران بعيون 1953 (انقلاب موساد/CIA) أو 2003 (سقوط بغداد)، لكنه يفشل في رؤية القفزة البنيوية التي حدثت. إيران 2026 ليست “دولة تابعة” يمكن اختراقها بالعملاء، ولا “مجتمع قبلي” خليجي يتفكك بـ”الصدمة والذعر”. المجتمع الإيراني، رغم كل انقساماته، يمتلك “ذاكرة تكتيكية جماعية” مكتسبة من أربعة عقود من الحصار والحروب بالوكالة. هذا لا يعني أنه مجتمع “مُوحد” بالمعنى الأيديولوجي، بل يعني أنه مجتمع يمتلك “حد أدنى من المناعة الاستراتيجية” ضد التدخل الخارجي.
البارادوكس هنا أن ترامب يعتقد أنه يُطبق “سلام القوة” بينما هو في الحقيقة يُطبق “عجز القوة”، القوة العسكرية الأمريكية لم تعد أداة “تغيير نظام”، بل تحولت إلى “أداة استنزاف ذاتي”: كل ضربة تُطلقها تُضعف شرعيتك السياسية دون أن تُضعف قدرة العدو على المقاومة، وكل محاولة كسر إرادة العدو ينتكس، ترامب يتراجع عن فتح المضيق بالقوة.
الفخ الزمني
أهمية الوقت المفاوضات والحرب “الوقت يسرقه”، ترامب يعيش “عجزاً زمنياً مضاعفاً”:
عجز سياسي داخلي: الإنجيليون يريدون “نصراً سريعاً” لإسرائيل، وقاعدته الشعبية تريد “أمريكا أولا” لا حروباً مفتوحة، هذان المطلبان متناقضان. عجز استراتيجي خارجي: إيران لا تُقاتل لـ”الانتصار” بالمعنى الكلاسيكيك وأشارت لذلك من قبل في تحاليل سابقة، بل تُقاتل لـ”منع الهزيمة” و”إطالة الوقت”. وهنا يكمن الفارق: من يُقاتل لمنع الهزيمة يملك “فائض زمني”، ومن يُقاتل لتحقيق النصر يعاني “عجزاً زمنياً”.
ترامب يُجاري نتنياهو لأنه يظن أن الوقت يعمل لصالحه (الضغط الاقتصادي + الحصار البحري)، لكنه في الحقيقة يقع في “فخ الاستنزاف المُسرّع”: كل أسبوع يمر يُكلفه رأسمالاً سياسياً داخلياً (احتجاجات ضد الحرب، ارتفاع الأسعار، انقسام الحزب الجمهوري) دون أن يُنتج انكساراً إيرانياً.
التحميل الاستراتيجي والغرور المُعدي
نتنياهو هنا لا يُخطط فقط لـ”إسرائيل الكبرى”، بل يُنفذ تحميلا استراتيجيا لترامب، يُحمله تكلفة القرارات (الحصار على إيران، التصعيد في هرمز، التهديد بالضربة المدمرة) بينما يحتفظ لنفسه بـ”الأرباح” السياسية تجميد غزة، ضرب لبنان، تغيير الحدود. ترامب يدفع الثمن، ونتنياهو يجني المكاسب.
هذا يُعيدنا الى حقيقة غرور نتنياهو التاريخي،لكن بزاوية جديدة: الغرور هنا ليس مرضاً فردياً، بل “عدوى استراتيجية” انتقلت من نتنياهو إلى ترامب عبر “منطق العرض”، ترامب يريد “الفوز” كما يريد نتنياهو الخلاص التاريخي من الشطب والسقوط النهائي والاثنان يعيشان وهم أن القوة العسكرية يمكن أن تُنتج “صورة نصر” حتى لو لم يكن هناك نصر حقيقي.
الإسقاط من الداخل: رغبة أمريكية قديمة وعجز إيراني مُعاكس
تصريح إبراهيم رضائي (مجلس الشورى) بأن “مؤامرات العدو لإثارة الفوضى باءت بالفشل” يكشف شيئاً مهماً: النظام الإيراني يعرف أن “الضعف الداخلي” هو خطه الأصفر الوحيد، لكنه يمتلك مناعة وعي تاريخي بخصوص التدخل الخارجي تقسيم إيران بين روسيا وبريطانيا، إسقاط حكومة مصدق، التدخل العسكري أزمة الرهائن ، وقوة عسكرية أرحب الخصوم والموالين للمصالح الخارجية أو من ربطوا مصلحتهم بالنستعمر فائض، يسميها البعض “القوة القمعية” وأنه يُعوض “عجزه الاقتصادي”. وان هذا لا يعني أن النظام “قوي” بالمعنى الأيديولوجي، بل يعني أنه “قوي بما يكفي لمنع الانهيار”، إيران تمتلك العمق التاريخي والأيديولوجي ومعادلة القوة العسكرية التفاوضية لحماية مصالح إيران.
أمريكا تعيش وهم “الانقلاب الرخيص” الاعتقاد بأن “الضغط الاقتصادي + التهديد العسكري + التحريض الداخلي” = سقوط النظام. لكن هذا المعادلة تفترض مجتمعاً “انفصالياً” عن دولته، بينما المجتمع الإيراني، رغم كل تياراته، يمتلك “حد أدنى من الوطنية الدفاعية يبطل “الاستقطاب” الخارجي.
الانهيار من الداخل الأمريكى قبل الإيراني
هنا يكمن السر: ترامب يبحث عن “انهيار إيراني” بينما “الانهيار” يحدث في جبهته الداخلية أولاً. أخبار الفارين من الخدمة في إسرائيل، و”سقوط الشاباك”، و36% من الإسرائيليين أميون… هذه ليست تفاصيل، بل هي “مؤشرات انهيار القدرة على التحمّل”. وإذا كان الحليف الأقرب (إسرائيل) يتفكك داخلياً، فكيف يمكن للأمريكي أن يُحقق “نصراً” خارجياً؟ ترامب يُجاري نتنياهو لأنه يظن أن “الوقت” سلاحه، لكنه في الحقيقة يُقاتل بـ”عجز زمني”: كل يوم يُضعفه سياسياً، ويُقربه من “نقطة اللاعودة” حيث يصبح الانسحاب “هزيمة” والاستمرار “انتحار”.
خلاصة: المنطق يقول… ان القوة التي لا تستطيع استخدامها لتحقيق هدف محدد، تصبح عجزاً، ترامب يمتلك “فائض قوة” عسكرية لا يستطيع استخدامها لأن تكلفة استخدامها تفوق قدرته على تحملها. وإيران تمتلك “عجزاً عسكرياً” نسبياً لكنها تستطيع استخدامه لأن تكلفة استخدامه منخفضة (مسيرات، صواريخ كروز، ألغام بحرية).
النتيجة: ترامب ليس في موقع اللاعب بل في موقع “الرهينة” رهينة لنتنياهو، رهينة للإنجيليين، رهينة لـ”صورة النصر” التي لا يمكن تحقيقها، ورهينة لـ”فائض قوته” التي أصبحت عبئاً عليه.
والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يدرك ترامب أنه في “فخ”؟ أم أن “الغرور المُعدي” سيُبقيه في حالة “انفصام” حتى يسقط من الإنهاك؟


