منذ سقوط الدولة العثمانية دخل العالم الإسلامي في أزمة تاريخية عميقة لم تكن مجرد أزمة سياسية تتعلق بضياع السلطة، بل كانت في حقيقتها أزمة حضارية شاملة. فقد وجد المسلمون أنفسهم أمام عالم جديد تقوده الحضارة الغربية الحديثة علميًا وتقنيًا وعسكريًا ومؤسساتيًا، بينما كانت المجتمعات الإسلامية تعاني من التراجع والتفكك والاستعمار والانهيار الداخلي. وفي ظل هذا الشعور الجماعي بالهزيمة ظهرت الحركات والأحزاب الإسلامية الحديثة، بدءًا من الإخوان المسلمون التي أسسها حسن البنا في مصر، مرورًا بالحركة الإسلامية في باكستان والعراق وسائر البلدان الإسلامية، وانتهاءً بالحركات الجهادية المسلحة والتنظيمات المتطرفة مثل داعش والقاعدة وما شابهها.
وكان القاسم المشترك بين معظم هذه الحركات أنها تعاملت مع الإسلام بوصفه مشروعًا للسلطة وتطبيق الأحكام أكثر من كونه مشروعًا حضاريًا لبناء الإنسان والمجتمع والدولة. ولهذا انصبّ اهتمامها الأساسي على “تطبيق الشريعة” بمعناها الفقهي والقانوني والسياسي، وعلى قضايا الحكم والسلطة والحدود والعقوبات والهوية الدينية، بينما تراجع الاهتمام بالبعد الحضاري القيمي العميق في القرآن الكريم.
لقد تحوّل الإسلام في خطاب كثير من هذه الحركات إلى منظومة أوامر ونواهٍ وسلطات، بدل أن يبقى مشروعًا لتحرير الإنسان وبناء العمران. وأصبح التركيز موجّهًا نحو شكل الدولة الدينية، وصلاحيات الحاكم، ودور الفقيه، وتطبيق الحدود، والرقابة على المجتمع، أكثر من التركيز على بناء العقل العلمي، والحرية، والعدالة، والإبداع، والإتقان، والثقة الاجتماعية، والتسامح، والسلام، والتعاون، والمسؤولية الإنسانية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
فالقرآن الكريم لم يبدأ مشروعه ببناء السلطة، بل بدأ ببناء الإنسان. أول كلمة نزلت كانت: “اقرأ”. ولم تكن الدعوة المكية دعوة لإقامة دولة أو فرض منظومة قانونية، بل كانت مشروعًا لإعادة تشكيل الوعي الإنساني وتحرير الإنسان من الخوف والجهل والعبودية والانحباس الوجودي. وحتى حين قامت الدولة في المدينة، فإنها لم تكن مجرد جهاز لتطبيق الأحكام، بل كانت إطارًا حضاريًا لحماية منظومة القيم العليا وبناء مجتمع جديد.
إن جوهر الرسالة القرآنية ليس إقامة مجتمع مهووس بالعقوبات والرقابة، بل إقامة مجتمع متوازن أخلاقيًا وحضاريًا وإنسانيًا. فالقيم العليا في القرآن مثل الحرية، والعدالة، والمساواة، والمسؤولية، والإتقان، والتعاون، والإيثار، والتسامح، والثقة، والسلام، والإبداع، ليست تفاصيل هامشية أو إضافات تجميلية، بل هي الأساس الذي يمنح الأحكام معناها الإنساني والحضاري.
لكن معظم الحركات الإسلامية الحديثة قلبت المعادلة. فقدّمت الأحكام على القيم، والسلطة على الإنسان، والتنظيم على الوعي، والطاعة على الحرية، والانتماء الحزبي على الانتماء الحضاري. وبدل أن تنتج إنسانًا متحضرًا قادرًا على بناء الحضارة الحديثة، أنتج كثير منها إنسانًا مشغولًا بالمظهر الديني والصراع الأيديولوجي والهوية المغلقة والانقسام الطائفي.
ولهذا ظهرت نتائج شديدة الخطورة.
فعلى مستوى المجتمعات، ساهم هذا الاتجاه في تعميق الانقسامات الطائفية والمذهبية، وإضعاف الحس الوطني والإنساني، وتحويل الدين إلى أداة صراع سياسي وهوياتي، بدل أن يكون قوة أخلاقية وحضارية جامعة.
وعلى مستوى الحركات نفسها، انتهى الأمر بكثير منها إلى أحد ثلاثة مصائر:
إما التحول إلى جماعات سلطوية تسعى إلى السيطرة السياسية باسم الدين،
أو التحول إلى حركات احتجاجية عاجزة عن إنتاج نموذج حضاري ناجح،
أو الانزلاق نحو العنف والتطرف المسلح كما حدث مع التنظيمات الجهادية القتالية.
وقد أثبتت التجربة التاريخية أن اختزال الإسلام في “مشروع حكم” يؤدي في النهاية إلى تشويه الدين والسياسة معًا. لأن الدين يتحول إلى أداة صراع على السلطة، بينما تتحول السياسة إلى مجال للشرعية المقدسة التي تعيق النقد والمراجعة والتطوير.
والمفارقة الأكثر إيلامًا أن كثيرًا من هذه الحركات رفعت شعار “الإسلام هو الحل”، لكنها لم تنتج حتى الآن نموذجًا حضاريًا حديثًا ناجحًا قادرًا على الجمع بين الإيمان والحرية، وبين الدين والعلم، وبين الأخلاق والدولة، وبين الهوية والتقدم.
ومن هنا تبرز أهمية التفكير في مشروع مختلف يتجاوز المأزق التاريخي الذي وقعت فيه الحركات الإسلامية التقليدية، وهو ما تحاول فكرة “الدولة الحضارية الحديثة” أن تفتحه بوصفها أفقًا جديدًا للفكر السياسي والحضاري في العالم الإسلامي.
فهذا المشروع لا ينطلق من سؤال: “كيف نفرض الأحكام؟”، بل من سؤال أعمق وأشمل: “كيف نبني إنسانًا ومجتمعًا ودولةً قادرة على إنتاج الحضارة؟”.
وهذا فرق جوهري.
فالدولة الحضارية الحديثة لا تتعامل مع الإسلام بوصفه مجرد مرجعية سلطوية أو فقهية، بل بوصفه مصدرًا لمنظومة قيم حضارية عليا تُوجّه عملية بناء الإنسان والعمران والدولة الحديثة. ولهذا فإن مركز الثقل في هذا المشروع ينتقل من “الدولة العقائدية” إلى “الدولة القيمية الحضارية”.
أي من دولة تسعى إلى فرض نمط ديني محدد على المجتمع، إلى دولة تستلهم القيم القرآنية الكبرى لبناء مجتمع إنساني حر وعادل ومتقدم.
وهنا يظهر الفارق الكبير بين: “أسلمة الدولة” و “جعل الدولة حضارية”.
فالدولة الحضارية الحديثة لا تقوم على احتكار التفسير الديني، ولا على تحويل الفقيه إلى سلطة فوق المجتمع، ولا على اختزال الإسلام في جهاز قانوني أو عقابي، بل تقوم على جعل القيم الحضارية القرآنية إطارًا موجّهًا للحياة العامة:
الحرية، العدالة، المساواة، المسؤولية، الإتقان، التسامح، السلام، التعاون، الثقة،ًالإبداع.
وبهذا المعنى فإن المشروع لا يطرح نفسه بوصفه “دولة دينية” بالمعنى الثيوقراطي، ولا “دولة علمانية” بالمعنى الإقصائي للدين، بل بوصفه محاولة لبناء دولة حديثة تستلهم القيم الحضارية القرآنية دون أن تتحول إلى سلطة كهنوتية أو حزبية مغلقة.
كما أن هذا التصور يحاول تجاوز الخطأ الذي وقعت فيه الحركات الإسلامية حين ربطت نجاح الإسلام بالوصول إلى السلطة السياسية. فالتجربة التاريخية أثبتت أن الوصول إلى الحكم لا يعني بالضرورة إنتاج حضارة. فقد تصل جماعة دينية إلى السلطة لكنها تعجز عن بناء دولة حديثة، أو إدارة الاقتصاد، أو حماية الحريات، أو إنتاج المعرفة، أو تحقيق العدالة والتنمية والاستقرار.
فالحضارة لا تُقاس بعدد الشعارات الدينية، بل بقدرة المجتمع على إنتاج الإنسان الحر المسؤول المبدع، وبقدرة الدولة على تحقيق العدالة والتنمية والكرامة الإنسانية والتقدم العلمي والاستقرار الاجتماعي.
ومن هنا فإن العالم الإسلامي لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الصراع حول “من يطبق الشريعة”، بقدر ما يحتاج إلى ثورة وعي حضاري تعيد اكتشاف البعد القيمي والإنساني في القرآن الكريم. لأن بناء الإنسان المتحضر يسبق بناء الدولة المتحضرة، وبناء المجتمع القيمي يسبق بناء السلطة، فالسلطة بلا منظومة قيم حضارية تتحول بسهولة إلى استبداد ديني أو حزبي أو طائفي.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نطبق الأحكام؟
بل: كيف نبني الإنسان القادر على حمل القيم الحضارية القرآنية وتحويلها إلى عمران إنساني حديث؟
ذلك أن أزمة العالم الإسلامي ربما لم تكن في نقص الأحكام، بل في غياب المشروع الحضاري القيمي القادر على تحويل الدين من هوية مغلقة وصراع سلطوي إلى طاقة إنسانية منتجة للحضارة.


