نجمٌ من المشرق: حين كانت إيران أول من عرف المسيح

نجمٌ من المشرق حين كانت إيران أول من عرف المسيح
المجوس من إيران أول من آمن بالمسيح، وهذا الإرث الرمزي يخلق تعاطفاً ثقافياً أوروبياً عميقاً. يمكن لأوروبا استثماره لبناء علاقة متوازنة مع إيران تتجاوز منطق الاستقطاب والهيمنة....

في لحظةٍ تتكاثف فيها التحولات السياسية وتتشابك فيها المصالح الدولية، يبدو أن العودة إلى الجذور الدينية والثقافية ليست ترفًا فكريًا، بل مدخلًا لفهم أعمق للعلاقات بين الشعوب. ومن بين تلك الجذور، تبرز قصة ذات دلالة رمزية عميقة في الوعي المسيحي: قصة القادمين من إيران، الذين كانوا أول من آمن بالمسيح في مهده.

يروي إنجيل متى أن رجالًا حكماء من المشرق قدموا إلى بيت لحم بعد رحلة شاقة، مسترشدين بنجمٍ ظهر في السماء، باحثين عن “الملك المولود”. هؤلاء جاؤوا من أرض إيران التاريخية، حاملين معهم هدايا رمزية: الذهب واللبان والمر. غير أنهم تركوا خلفهم ما هو أثمن من الهدايا جميعًا: دلالةً حضارية راسخة تقول إن أول اعتراف عالمي بالمسيح جاء من خارج الجغرافيا اليهودية، وأن إيران كانت حاضرةً في الوعي المسيحي المبكر بوصفها أرض حكمة وبحث روحي، وأن العلاقة بين المسيحية وهذه الأرض بدأت منذ لحظة الميلاد، لا من لحظة الصراع.

رغم قرون من التوترات السياسية، لا تزال هذه القصة حاضرةً في الوجدان المسيحي الأوروبي، تُستعاد في الأعياد والطقوس، وتتجسد في الفنون واللوحات والتراتيل. القادمون من إيران لم يكونوا مجرد زوار عابرين، بل أصبحوا رمزًا خالدًا للإيمان القادم من الشرق، وللتلاقي الممكن بين الحضارات. هذا الإرث الرمزي يُفرز، ولو بصورة غير مباشرة، نوعًا من التعاطف الثقافي العميق مع الشرق، وتحديدًا مع إيران بوصفها الامتداد التاريخي لتلك الأرض التي خرج منها أول المؤمنين.

في عالم السياسة، لا تتحرك الدول وفق المصالح المادية وحدها، بل تتأثر أيضًا بالبُنى الثقافية الراسخة في الأعماق. ومن هنا يمكن قراءة جانب من التردد الأوروبي في تبني مواقف عدائية حادة تجاه إيران، ليس فقط بسبب الحسابات الاقتصادية أو الأمنية، بل بسبب هذا المخزون الرمزي التاريخي الذي لا يزول بمجرد التوقيع على بيانات سياسية. وأوروبا التي تعيش اليوم توترًا مكتومًا في علاقتها مع الولايات المتحدة، تجد نفسها أمام فرصة حقيقية لإعادة النظر في تموضعها الدولي، في ظل تحولات تعيد رسم خرائط التحالفات وتفتح أبواب المراجعة على مصاريعها.

في مواجهة نزعة الهيمنة والصدام التي تُلقي بظلالها على المشهد الدولي، يمكن لأوروبا أن تستدعي إرثها الإنساني والحضاري القائم على الاعتراف بالآخر، والبحث عن السلام، وبناء الجسور بدلًا من تشييد الجدران. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة بناء علاقة متوازنة مع إيران لا ينبغي أن تُفهم كخيار سياسي براغماتي فحسب، بل كعودة إلى عمق حضاري مشترك تشكّل منذ لحظة ميلاد المسيح ذاتها.

إن استحضار هذه القصة اليوم ليس دعوةً إلى تديين السياسة، بل إلى إنسانيّة العلاقات الدولية. فحين ندرك أن أول من سجد للمسيح جاء من أرضٍ تُصنَّف اليوم في خانة الخصوم، فإن ذلك لا يمكن أن يمر دون أن يُحرك شيئًا ما في العقل قبل الضمير. قد لا تكون هذه الرؤية كافيةً وحدها لصناعة السياسات، لكنها بلا شك قادرة على إلهام خطاب جديد يفتح الباب أمام تعايش أكثر توازنًا، وأقل استسلامًا لمنطق الاستقطاب.

بين نجمٍ قاد القادمين من إيران إلى بيت لحم، وواقعٍ يقود أوروبا إلى مفترق طرق مصيري، تظل الرموز الكبرى قادرةً على إعادة توجيه البوصلة حين تعجز عنها الحسابات. وربما يكون في استحضار تلك الرحلة القديمة ما يُلهم رحلةً جديدة، تتجاوز الاصطفافات الضيقة، وتُعيد الاعتبار للإنسان قبل السياسة، وللتاريخ قبل الأيديولوجيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *