بين خيوط السجاد ودموع أمي ذكريات من ثورة مايس 1941

بين خيوط السجاد ودموع أمي ذكريات من ثورة مايس 1941
يروي النص مأساة عائلة عراقية خلال حرب 1941، حيث تحولت سجادتان ثمينتان إلى رمز لفقدان الأمان والبيت والذاكرة، مؤكداً أن الحروب لا تدمر المدن فقط، بل تسلب الإنسان براءته وأجمل تفاصيل حياته اليومية...

كانتا أثمن ما يضمّه بيتنا من مقتنيات مادية عالية القيمة: سجادتان من صناعة بلاد فارس، نادرتان في نسجهما، غاليتان في ثمنهما، تمثلان في ذاكرة والدتي أيقونة الدفء والاعتزاز في بيت أبي.

كانت والدتي، وهي تبني عالمها الصغير كسيدة لبيت من الطبقة الوسطى، تنظر إلى السجادتين بوصفهما أكثر من مجرد قطعة أثاث ،كانتا رمزًا للاستقرار والهيبة والجمال، وموضع فخرٍ لا تخفيه أمام الزائرات والقريبات.

لكن الحروب لا تعترف بذكريات البيوت الصغيرة.

مع اقتراب نذر المواجهات فيما عُرف لاحقًا بـ الحرب الأنكلو-العراقية، أو ما كان الناس يسمونه آنذاك “حرب سنّ الذبان”، بدأ والدي يستشعر الخطر مبكرًا. وكانت الحرب قد اندلعت رسميًا في الثاني من أيار عام 1941، إثر المواجهات التي بدأت قرب قاعدة الحبانية غرب بغداد، لتتحول سريعًا إلى معارك مفتوحة بين الجيش العراقي والقوات البريطانية.

كان على والدي أن يُسرع في مغادرة المدينة قبل أن تمتد نيران الحرب إلى بيوتنا الهشّة. سبقتنا والدتي مع أشقائي الصغار إلى بغداد، حيث احتموا ببيت جدتي في محلة قنبر علي، تلك المحلة البغدادية القديمة التي كانت تفتح أبوابها للفارين من الخوف والحرب.

أما والدي، فلم يكن أمامه وقت لينقذ شيئًا من البيت قبل أن تبدأ الطائرات بالقصف، سوى أن يلتقط أثمن ما فيه: السجادتين الفارسيتين. وضعهما بعناية فوق سطح الحافلة التي أقلّته قبيل انبلاج الفجر، بينما كانت السماء تضج بأزيز الرصاص والطائرات البريطانية التي راحت تقصف مواقع جيشنا على ضفاف الفرات.

سلكت الحافلة طريقًا ترابيًا طويلًا صوب العاصمة، في صباح اختلطت فيه غبرة الصحراء بخيوط الليل المنسحب وبداية نهار مرتبك بالحرب.

وحين توقفت الحافلة أخيرًا في بغداد، رفع والدي نظره إلى سطحها، فلم يجد السجادتين.

اختفتا.

لا أحد يعلم متى سقطتا، ولا في أي منعطف رملي ابتلعتهما الصحراء، تحت وطأة المطبات العنيفة والرياح المغبرة التي كانت تبتلع الطريق والحرب معًا.

وفي الوقت نفسه، كان بيتنا قد دُمّر تحت القصف. احترق الأثاث، وسقط السقف، وتحول المكان الذي احتضن طفولتنا إلى ركامٍ أسود.

لكن أكثر ما آلم والدتي، على قسوة الحرب وفقدان البيت، كان ضياع السجادتين.

بكت بيتنا، نعم… لكنها أدمعت بحرقة أكبر على تلك الأيقونة المنزلية النادرة التي ابتلعتها الصحراء، كما ابتلعت قنابل الحرب سقف بيتنا بعد الثاني من أيار 1941.

ظلت تعاتب والدي أحيانًا، وتعاتب الحرب والزمن أحيانًا أخرى، وكأن السجادتين لم تكونا مجرد متاعٍ ضائع، بل جزءًا من عمرٍ كامل انهار دفعة واحدة.

ولم نستطع تعويضهما إلا بعد سنوات طويلة، حين صار والدي شيخًا أثقلته الحياة، وفقدت الأشياء مذاقها القديم، حتى الفرح نفسه بدا متأخرًا، كأنه يصل بعد انتهاء الحكاية.

لم تكونا مجرد خيطين من صوفٍ فاخر، ولا زينةً لبيتٍ متواضع من بيوت الطبقة الوسطى في عراق الأربعينيات، بل كانتا تختصران معنى الأمان نفسه.

كانت أمي تمشي فوقهما كما تمشي امرأة فوق عمرها، تخاف عليهما من الغبار ومن عيون الزمن. وحين جاءت الحرب، لم تأخذ الجنود وحدهم، بل أخذت الأشياء الصغيرة التي يتكئ عليها البشر كي يحتملوا الحياة.

ظل أبي يتذكر قسوة الليلة التي سبقت القصف، ثم يبكي مدينة تتشقق تحت هدير الطائرات. لم يحمل ذهبًا، ولا وثائق، ولا مؤونة طويلة، بل حمل السجادتين، كأنه كان يحاول أن ينقذ ما تبقى من روح البيت.

وما أقسى أن يفقد الإنسان بيته مرتين:

مرة حين تهدمه القنابل،

ومرة حين تضيع آخر الأشياء التي كانت تمنحه رائحته.

سقطت السجادتان في الطريق الصحراوي المظلم وقتذاك، بصمتٍ يشبه سقوط الأعمار. لا أحد رآهما تهويان عن سطح الحافلة، ولا أحد التقط خيوطهما المبعثرة بين التراب والعتمة. كأن الصحراء كانت تعرف أن الحروب لا تكتفي بالمدن، بل تسرق أيضًا ذاكرة الأمهات.

وحين وصل أبي إلى بغداد، ونظر إلى سطح الحافلة الفارغ، شعر لأول مرة أن الحرب ليست أصوات مدافع فقط، بل ذلك الفراغ الصغير الذي يتركه شيءٌ نحبه حين يختفي إلى الأبد.

أما أمي، فلم تبكِ السجادتين لأنهما غاليتان، بل لأنها رأت فيهما بقايا أيامٍ كانت تظن أن العمر سيحفظها لها. كانت تبكي العالم الذي كانت ترتبه بيديها كل صباح، ثم جاء زمنٌ أعمى فبعثره في ليلة واحدة.

ومنذ ذلك اليوم، صار الحزن يسكن حديثها عن البيت القديم. كانت تتذكر لون السجاد أكثر مما تتذكر شكل الجدران، لأن البشر لا يتألمون دائمًا من خسارة الأوطان الكبيرة فحسب، بل من فقدان الأشياء الصغيرة التي كانت تجعل الوطن بيتًا.

الحروب، في حقيقتها، لا تقتل الناس فقط…

إنها تقتل النسخة البريئة منهم، تلك التي كانت تؤمن أن الأشياء الجميلة يمكن أن تدوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *