نوري المالكي… رجلُ السلطة الذي لم يتقن لعبةَ الزعامة

نوري المالكي... رجلُ السلطة الذي لم يتقن لعبةَ الزعامة
يطرح النص قراءة نقدية لشخصية نوري المالكي، معتبرًا أن الزعامة تُقاس بالهيبة وإدارة الصورة السياسية، لا بمجرد السلطة. ويرى أن تعامله الهادئ مع اتهامه بالدكتاتورية أضعف صورته التاريخية وأبقاه بين رجل السلطة ورجل الدولة...

طلب إليّ أحدُ الأصدقاء العراقيين أن أكتب عن السيد نوري المالكي، بأسلوبي الذي تحبّه النخبة الثقافية والسياسية، وأن أقدّمه كما يليق برجلِ الدولة الذي شقّ طريقه بثبات، وعرفته الساحات السياسية والإنسانية والوطنية.

حدّثني صديقي مطولًا عن المالكي: عن انفتاحه، وعن حواراته، وعن صلابته في مواجهة التحديات، وزوّدني بما يشبه السيرة المصغّرة لرجلٍ أراد أن يضع اسمه بين الكبار.

لكنّني حين بدأت البحث، لم أجد ما يعبّر عن تلك الصورة التي رسمها لي صديقي.

كان أول ما ظهر أمامي مقابلة للسيد نوري المالكي مع الإعلامي غسان بن جدو.

وكان سأله بن جدو مباشرة:

“هل أنت ديكتاتور؟”

فأجاب المالكي مبتسمًا:

“لو كنتُ ديكتاتورًا، ما كنتَ تقدر تقابلني وتقول لي دكتاتور في وجهي.”

ضحك غسان بن جدو، وأكمل المالكي المقابلة كمن يدافع عن نفسه أكثر مما يواجه الكلمة التي بحد ذاتها تقلب الراي العام عليه.

لحظتها شعرت أن زعامة المالكي قد انطفأت كما تنطفئ الأنوار بانقطاع التيار الكهربائي.

استوقفتني ملامح المشهد: ضحكة بن جدو وكانه انتصر لانه اكمل المقابلة، وهدوء المالكي، وكأنه خائف مرعوب يريد ان يثبت فقط بانه ليس ديكتاتورا، فظهر الرجل وكانه لا يدرك أن الزعامة، في جوهرها، هي فنّ إدارة الموقف قبل إدارة الكلمة.

قلت في نفسي: إنّ هذا المشهد وحده كفيلٌ بأن يقضي على مستقبل المالكي السياسي ألف عامٍ إلى الأمام، فمجرد أن يُسأل زعيمٌ هذا السؤال على الهواء، دون أن يردّ بحزم أو يوقف الحوار، يعني أنّه فقد وجوده من لحظتها.

كان عليه أن ينسحب أو يطالب باعتذار، لا أن يبتسم ويكمل المقابلة وكأن شيئًا لم يكن.

في تلك اللحظة، كتبت لصديقي العراقي رسالة قصيرة قلت له فيها:

“يبدو أن السيد نوري المالكي يحتاج إلى سنواتٍ أخرى ليتعلّم فنّ السياسة؛ فالرجل الذي يُسأل هذا السؤال على الهواء ولا يعرف كيف يحوّله إلى فرصة لتثبيت صورته، لم يصل بعد إلى مقام الزعامة.”

فالزعيم لا يُبرّر، بل يعلو. والزعيم لا يدافع عن نفسه، بل يفرض وجهة نظره السياسية التي تساهم ببناء الوطن. أما السياسي الذي يقبل أن يُوصَف بالديكتاتور ثم يضحك، فهو إمّا واثقٌ إلى حدّ الغرور، أو غيرُ مدركٍ لما تعنيه الزعامة من رمزيةٍ وهيبةٍ ومسافة.

الزعماء يحرصون على الظهور المعظم، ليس تكبرا بل لان الزعامة والقيادة هي الهيبة، فان يستطيع شخص ان يصفك بوجهك وان كان من باب السؤال هل انت ديكتاتور، يعني انك ديكتاتور وهو يحاول ان يقول لك هذه الكلمة انما باسلوب غير مباشر.

المالكي لا يمكن إنكار حضوره ولا إنجازاته الوطنية،  لكنه في ميزان التاريخ، يبقى في المنطقة الرمادية بين رجل السلطة ورجل الدولة.

فالأول يحكم اليوم، والثاني يبقى في ذاكرة الأوطان. وربما لهذا السبب وجدت نفسي معذورًا ألا أكتب عنه، لأنّ الكتابة عن الزعماء – في منطق هيكل الذي ساهم في صناعة مجد عبد الناصر – ليست سردًا لمسيرةٍ أو تعدادًا لإنجازات، بل قراءةٌ لروحٍ صنعت التاريخ، أو وقفت على بابه ولم تدخله بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *