سيكتب التاريخ بمدادٍ لا يجفّ أن لحظة التحوّل الكبرى في العراق بعد عام (٢٠٠٣) لم تكن مجرّد انتقالٍ للسلطة إن لحظة التحول هذه كانت اختباراً قاسياً للوعي السياسي قبل أن تكون اختباراً للقدرة على الحكم ..
وسيكتب التاريخ أيضاً بلا مواربة أن القوى التي وُضعت في موقع القرار لم تصل إليه عبر تراكمٍ ناضجٍ لتجربة الدولة أو عبر نضال معارض “حقيقي” ساهم ولو بجزء يسير بإسقاط النظام الإرهابي السابق ليستلموا الحكم من بعده ..
إن هذه القوى -جميعها- وصلت إلى الحكم عبر وسيط مُـحدد –أمريكا– صَـنع إنهيارٍ مفاجئٍ لبنيةٍ سابقة فكان الوصول سهلاً سريعاً غير متوقعاً فيما كان الاستعداد بطيئاً و متعثّـراً أو لم يكن هناك أي إستعداد أساساً، وأنا من الشهود على تلك المرحلة بكل تفاصيلها ..
إذ لم تفكر القوى التي عارضت النظام البعثي الإرهابي السابق من إسلاميين بإنتماءاتهم كافة وغير إسلاميين، لم تفكر بمرحلة الحكم وطبيعتها على الإطلاق وكل ما موجود بخصوص هذا الموضوع عبارة عن مفردات مُـبعثرة هنا أو هناك لا تكوّن فكرة عن طبيعة مشروع مستقبلي!
ثم إن التحدي الآخر لم يكن في الحصول على الحكم بكل سهولة بقدر ما كان في «فهمه» وهذا ما لم يحدث حتى بعد عقدين ونيف من الزمن مر على هذا الحكم الذي يحتضر الآن ..
وهنا بدأت المفارقة:
إذ بدا وكأن تجربة قوى المعارضة الطويلة التي سبقت عام (٢٠٠٣) لم تُـنتج أدوات دولة بقدر ما رسّـخت ذهنية “احتجاجٍ ” مترهل دائم ..
ذهنية تُـجيد الهدم فقط أكثر مما تُـحسن البناء أو أنها لم تفكر في البناء أساساً ..
وهكذا حين انتقلت تلك القوى -جميعها بلا إستثناء- من موقع الرفض إلى موقع الفعل حملت معها لغة المعارضة المُـزمنة إلى مؤسسات الدولة فاختلطت الأدوار وضاعت الحدود بين مَـن يُـحاسِـب ومَـن يُـحاسَـب!
تصوروا: أن خطاب أحد زعماء السياسة العراقية الشيعة “رحمه الله” احتوى على (١٢) مفردة “نُـطالب” ناسياً بأنه أصبح في موقع يُـطالب هو فيه لا أن يستعرض أمام العراقيين قائمة طويلة عريضة من المطالب التي لم يحدد فيها مَـن هو المسؤول عن تحقيقها!
وسيكتب التاريخ أيضاً حقيقة أن جزءاً كبيراً من الرصيد المعنوي والسياسي العراقي قد استُـنزف لدى قوى المعارضة قبل الوصول إلى السلطة بنسبة (٦٠٪ ) وأن ما تبقّى منه لم يُستثمر كما ينبغي وضاع تماماً وهم الآن ومعهم القوى الجديدة التي إلتحقت بهم بلا رصيد معنوي أو رصيد سياسي ..
هذه حقيقة ..وكل ما لدينا في العراق بعيداً عن قوى السلطة هو رصيد ديني غير مُـرشد تماماً مدفوع بالعاطفة اكثر منه بالوعي الحقيقي ..
لقد كان من باب الأولويات الضرورية تحويل لحظة الحكم الممنوحة قسراً إلى مشروع وطني جامع إلا أن المؤسف هو تفتيت هذه اللحظة إلى مشاريع متنازعة لكلٍّ منها سرديته الخاصة ومصالحه الضيقة! وهنا لم تعد المسألة مسألة: “طائفة أو مكوّن”
المسألة: طبقة سياسية لم تُـدرك أن الحكم مسؤولية تاريخية لا غنيمة مؤقتة. لقد كشفت حقبة ما بعد (٢٠٠٣) أن المشكلة لم تكن في الفرصة الممنوحة المشكلة كل المشكلة في كيفية التعامل معها.
فالدولة التي كان يُـفترض أن تُـبنى على أسس: العدالة. والكفاءة.
أُعيد تشكيلها بمنطق: المحاصصة، حيث تحوّل الانتماء إلى معيار والكفاءة إلى تفصيلٍ ثانوي .. ومع مرور الوقت لم يعد الفشل طارئاً لقد أصبح الفشلُ نمطاً متكرّراً يُـعاد إنتاجه بأدواتٍ مختلفة وأسماءٍ جديدة ..
وسيُـكتب أيضاً: إن التجربة لم تفشل دفعةً واحدة. التجربة تآكلت تدريجياً من تنازلات صغيرة إلى أخطاء كبيرة ومن حسابات آنية إلى خسائر استراتيجية. وفي كل محطة كان بالإمكان تصحيح المسار لكن الإرادة كانت أضعف من أن تواجه شبكة المصالح المتشابكة التي نمت داخل جسد الدولة.
إن أخطر ما سيكتبه التاريخ في العراق ليس ضياع السلطة من الشيعة بحد ذاته ..إن أخطر ما سيكتبه التاريخ هو ضياع المعنى .. فحين تفقد السلطة قدرتها على تحقيق العدالة وتفقد السياسة قدرتها على الإقناع يصبح الحكم عبئاً لا إنجازاً ويغدو البقاء فيه شكلاً من أشكال الدوران في الفراغ .. ومع ذلك، فإن التاريخ -وهو القاسي حين يدوّن- لا يُـغلق أبوابه تماماً ..
فهو يترك دائماً هامشاً لإعادة القراءة، وفرصةً لمَـن يريد أن يتعلّـم من أخطاء الماضي .. لكن هذه الفرصة لا تُـمنح مرتين بسهولة ولا تُـدركها إلا عقولٌ قادرة على مراجعة الذات بصدقٍ وشجاعة ..سيكتب التاريخ ما سيكتب لكن الأهم ليس ما يُـكتب فقط، الأهم ما يُـفهم منه .. فالأمم لا تُـقاس بلحظات صعودها فقط وتقاس أيضاً بقدرتها على تصحيح مسارها حين تخطئ .. والعراق بكلّ ما مرّ به لا يزال أمامه خياران:
إما أن يبقى أسير سرديات الفشل والعياذ بالله وهذا الضياع الأكبر ..
أو أن يبدأ -أخيراً- كتابة فصلٍ مختلف لا يُـملى عليه وإنما يصنعه بوعيٍ ومسؤولية وهذا يحتاج تضحيات كبيرة جداً.


