قبضة الدولار: لماذا تتحكم امريكا بخزائن النفط العراقي

قبضة الدولار لماذا تتحكم امريكا بخزائن النفط العراقي
منذ 2003، أمريكا تسيطر على عائدات النفط العراقي عبر حساب في الاحتياطي الفيدرالي بقرارات دولية وأمريكية متجددة. النفط يشكل 90% من الموازنة. التهديد بتجميد الأموال يجبر بغداد على التراجع. البدائل محدودة بسبب نظام CHIPS الخاضع للقانون الأمريكي...

منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، تمسكت واشنطن بسيطرة فعلية على عائدات النفط العراقية عبر إيداعها في حساب خاص لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك في ترتيب بدأ بقرار من مجلس الأمن رقم 1483 الذي أسس ما عُرف بـ(صندوق تنمية العراق) ليتوج لاحقاً بالأمر التنفيذي الأميركي رقم 13303 الذي وقعه الرئيس جورج دبليو بوش ولا يزال يُجدد سنوياً من كل رئيس أميركي لاحق.

صُممت هذه الآلية في البداية لحماية الأموال العراقية من الدعاوى القضائية والمطالبات المالية المرتبطة بعهد صدام حسين لكنها تحولت مع الوقت إلى أداة هيمنة مالية وسياسية تمنح واشنطن قدرة استثنائية على الضغط على بغداد ويكمن جوهر هذه السيطرة في أن النفط يُشكل نحو تسعين بالمئة من إيرادات الموازنة العراقية لذا فإن قدرة أميركا على التحكم بتدفق الدولار تُعتبر بمثابة قبضة على شريان الحياة للاقتصاد العراقي.

من أبرز تجليات هذا النفوذ تهديد إدارة ترامب في عام 2020 بتجميد أموال العراق احتجاجاً على مطالبة بغداد بخروج القوات الأميركية ما أجبر الحكومة العراقية على التراجع وهو سيناريو تكرر حديثاً مع منع واشنطن شحنات دولارية إلى بغداد مما كشف هشاشة الموقف العراقي رغم انتهاء الأسباب القانونية الدولية لهذا النظام عام 2011 حيث تظل بغداد رهينة هذا الترتيب الذي تبرره واشنطن بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ورغم أن بدائل الدولار تبدو مغرية على الورق، إلا أن نظام المقاصّة العالمي (CHIPS) لا يزال خاضعاً بالكامل للقانون الأميركي، حيث يستحيل تحويل أي عائد نفطي عراقي دون موافقة إدارة مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC). وهنا تكمن المفارقة: فما بدأ كحماية مؤقتة عام 2003 تحول إلى قبضة دائمة، والعراق – رغم عضويته في أوبك – يظل أسير موافقات أسبوعية من واشنطن لصرف أمواله. ولن يتحقق التحرر دون تحالف جيواقتصادي إقليمي يؤسس لنظام مقاصّة نفطية مستقل، وهو مشروع يحتاج إلى ثقة عالمية لا تتوفر في ظل الفساد والانقسام الداخلي.

ورغم أن العراق يحاول بين الحين والآخر البحث عن بدائل مثل فتح حسابات بالعملة الصينية أو الإماراتية أو تعزيز التجارة باليورو والدينار إلا أن هذه المحاولات تظل محدودة وغير قادرة على تحويل مسار الإيرادات النفطية الضخمة التي تمر حتماً عبر نظام الاحتياطي الفيدرالي الأميركي حيث يتطلب تحرير عجلة الاقتصاد العراقي من هذه القبضة ليس فقط إرادة سياسية موحدة بل أيضاً بناء نظام مالي بديل قادر على استيعاب التعقيدات المصرفية الدولية وتوفير سيولة كافية وفرض ثقة عالمية بديل عن الدولار وهي كلها شروط يصعب تحقيقها في ظل الانقسامات الداخلية والفساد المالي وضعف الاستقرار السياسي.

وهكذا تتحول القبضة الأميركية على خزائن النفط العراقي من إجراء قانوني مؤقت إلى واقع استراتيجي دائم حيث تدير واشنطن تدفق الدولار كسلاح ناعم يضمن ولاء بغداد أو على الأقل حيادها في قضايا كبرى ما يجعل السيادة العراقية الاقتصادية مجرد شعار في مواجهة نظام مالي عالمي لا يرحم الضعاف .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *