رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي: إرث سياسي ثقيل بين مطرقة الداخل وسندان إقليمي مضطرب

رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي إرث سياسي ثقيل بين مطرقة الداخل وسندان إقليمي مضطرب
يتناول النص تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة العراقية، مبرزاً التحديات الداخلية كملف الفصائل والفساد، وتعقيدات التوازن بين الولايات المتحدة وإيران، مع تساؤلات حول قدرته على الحكم دون دعم سياسي أو عسكري واضح...

في مشهد سياسي عراقي معقد وصاخب برز اسم رجل الأعمال علي فالح كاظم الزيدي بتكليفه وبشكل رسمي من قبل رئيس الجمهورية نزار آميدي بمهمة تشكيل الحكومة الجديدة خلفًا لمحمد شياع السوداني. ويأتي هذا الاختيار غير التقليدي بعد أنباء عن انسحاب سياسيين مخضرمين من السباق ليجد العراق نفسه في مفترق طرق حرج حيث يواجه رئيس وزرائه المكلف إرثًا ثقيلًا من التحديات المتشابكة داخليًا في آن واحد وذلك في خضم اضطرابات إقليمية ودولية غير مسبوقة.

فمن الناحية الداخلية تتعلق أولى وأخطر العقبات التي تواجه الزيدي بإدارة أزمة الفصائل المسلحة ونزع سلاحها وهو الملف الذي تتصاعد الضغوط الأمريكية بشأنه بشكل كبير وتربط مصير العلاقة مع بغداد بمدى نجاحه في احتوائه. وفي ظل مهلة دستورية لا تتجاوز ثلاثين يومًا لتشكيل الكابينة الوزارية سيكون على رئيس الوزراء الجديد الذي لا يمتلك حزبًا سياسيًا يدعمه أن يوازن بين تحقيق مطالب المحاصصة الحزبية التي تمليها الكتل المتنفذة وبين الحاجة إلى اختيار فريق تكنوقراطي قادر على تنفيذ الإصلاح الاقتصادي المنشود ووقف نزيف الفساد وتهريب العملة الصعبة مما يثير تساؤلات حقيقية حول هامش حريته في اتخاذ القرار المصيري.

أما في الساحتين الإقليمية والدولية فإن المهمة التي أنيطت بالزيدي تتضاعف صعوبة في ضوء التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائها حيث يجد العراق نفسه على خط المواجهة الأول في صراع القوى العظمى. ففي الوقت الذي يرحب فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتكليف ويتطلع لـعلاقة جديدة مثمرة نجد أن المصرف الذي يمتلكه الزيدي يخضع لعقوبات أميركية على خلفية اتهامات بتمويل مليشيات موالية لطهران. ما يعكس هشاشة التوازن الذي يحاول رئيس الوزراء الجديد تحقيقه بين انتماءاته الاقتصادية وأجندة القوى الخارجية المؤثرة مما يجعله في موقع حساس للغاية أشبه بالسير على حبل مشدود بين قوتين متناحرتين قد لا يمكن التنقل بينهما من المنتصف بأي حال من الأحوال.

إن معضلة الزيدي الحقيقية ليست اقتصادية بل وجودية: كيف يحكم رجل بلا حزب ولا مليشيا ولا غطاء إقليمي في بلد تقوده الطوائف والفصائل؟ ثلاثون يومًا فقط تفصله عن الفشل، وفيه سيختبر ما إذا كان بإمكان “رجل الأعمال الخارق” أن يفعل ما عجز عنه “رجال الدين والحروب”. أمام ثلاثة خيارات لا رابع لها: إما الانصياع الكامل للمحاصصة والتآكل البطيء، أو المواجهة المستحيلة مع نوري المالكي وقيس الخزعلي، أو التحول إلى أداة أمريكية-خليجية لتفكيك نفوذ إيران. أيًا كان ما سيختاره، فإن العراق لن يخرج من عنق الزجاجة كما دخلها.

ختامًا إن مصير التجربة السياسية التي يمثلها السيد علي الزيدي سيتوقف على قدرته على تحويل خلفيته الاقتصادية من عائق سياسي إلى أداة دبلوماسية تبعد شبح الحرب عن بلاده وتقنع الشركاء الإقليميين بأن العراق عازم على الدخول في مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية رغم كل العواصف التي تحيط به.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *