ما ذنب الشرق الأوسط أن يعيش في مسلسل أمريكي من بطولة دونالد ترامب؟
يستيقظ المواطن في الشرق الأوسط كل صباح، لا ليطمئن على الطقس أو أسعار الخبز، بل ليتأكد أولا:
هل غرد دونالد ترامب الليلة الماضية أم لا؟
فالتغريدة قد تعني حربا، أو عقوبات، أو “صفقة تاريخية” لا يعرف أحد تاريخها ولا مضمونها.
الأرعن ترامب، الذي أثبت أن السياسة يمكن إدارتها بعقلية برنامج تلفزيوني، قرر أن يكون رئيسا لأقوى دولة في العالم… وأن يجعل الشرق الأوسط ساحة تجارب نفسية.
يستيقظ غاضبا؟ تقصف دولة.
مبسوط؟ يهدى عاصمة.
متوتر؟ تفرض عقوبات “من باب المزاح”.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح:
ما ذنبنا نحن؟
هل كتب على شعوب المنطقة أن تكون كومبارس دائمين في عرض أمريكي طويل عنوانه: “اجعل أمريكا عظيمة… على حساب الآخرين”؟
ترامب لا يرى الشرق الأوسط كمنطقة لها شعوب وحضارات، بل كخريطة بلا أسماء، يصلح أن يرسم عليها ما يشاء بقلم “ماركر” سميك، ثم يلتقط صورة وهو مبتسم.
النفط هنا، القواعد هناك، والبشر؟ تفصيل صغير لا يظهر في الكاميرا.
الأكثر إيلاما أن الرجل يتصرف وكأن المنطقة لعبة فيديو:
زر أحمر = تصعيد
زر أزرق = تهديد
زر أصفر = تغريدة مليئة بعلامات التعجب !!!
ومع ذلك، فإن المأساة الحقيقية ليست في “جنون” ترامب وحده، بل في أن هذا الجنون لم يكن صادما للنظام العالمي.
العالم اعتاد.
البيانات جاهزة.
القلق “العميق” محفوظ في الأدراج.
أما نحن، فمطلوب منا دائما أن نتحلى بضبط النفس… حتى ونحن نحترق.
لكن لنعترف بشيء واحد:
ترامب لم يخلق المشكلة، هو فقط خلع القناع.
قال بصوت عال ما كان يقال همسا: المصالح أولا، والباقي لاحقا… أو لا يأتي أبدا.
ورغم كل هذا، سيذهب ترامب يوما ما، كما ذهب غيره.
ستغلق حساباته، وتطوى تغريداته، ويعود مجرد اسم في كتب السياسة…
أما الشرق الأوسط، فسيبقى، كعادته، يدفع ثمن جنون الكبار، لكنه – بعناد غريب – لا يزال واقفا.
الخلاصة؟
لسنا مذنبين.
نحن فقط نعيش في عالم يسمح لمجنون أن يحمل زرا نوويا،
ثم يطلب من الضحية أن تكون “عقلانية”.
لكن، هل يكفي أن نكتفي بدور الضحية؟
هنا تبدأ القصة التي لا يحب أحد أن يرويها.
فالمشكلة ليست فقط في رئيس هناك، بل في قابلية هنا.
في أن المنطقة، بكل ما تملكه من ثروات وتاريخ، لا تزال عاجزة عن تحويل نفسها من “ساحة” إلى “لاعب”.
ننتظر القرار من الخارج، ثم نختلف على تفسيره في الداخل.
نستنكر، نشجب، ندين… ثم نعود إلى نشرات الأخبار في المساء وكأن شيئا لم يكن.
الأسوأ من ذلك، أن بعضنا لا يكتفي بدور المتفرج، بل يصفق.
نعم، يصفق.
حين تتقاطع الضربة مع مصلحته الضيقة، أو حين يعتقد أن النار ستبقى بعيدة عن بيته.
وكأن التاريخ لم يعلمنا أن الحرائق في هذه المنطقة لا تعرف الجغرافيا، ولا تحترم الحدود.
السياسة ليست مزاجا… لكنها تتحول إلى ذلك عندما يغيب التوازن.
وعندما يصبح القرار الدولي رهينة شخصية، أو نزوة، أو تغريدة، فإن الخلل لا يكون في الشخص وحده، بل في النظام الذي سمح له بذلك.
نحن لا ندفع فقط ثمن “مزاج رئيس”،
بل ندفع ثمن عالم مختل،
وثمن أن نكون الحلقة الأضعف في معادلة لا ترحم.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأصعب:
إلى متى؟
إلى متى سنبقى نقرأ الأحداث وكأنها قدر مكتوب، لا يمكن تغييره؟
إلى متى سنكتفي برد الفعل، ونخاف من الفعل نفسه؟
ربما آن الأوان أن ندرك أن المشكلة ليست في من يضغط الزر،
بل في أننا ما زلنا نعيش تحت هذا الزر.
حينها فقط…
قد لا نمنع الجنون،
لكننا على الأقل، لن ندفع ثمنه وحدنا.

