تعكس سياسة تجزئة الملفات انتقالا من منطق المواجهة المباشرة إلى هندسة الصراع، بتحويل تعدد ساحات الضغط إلى تعدد في مسارات التفاوض، حيث تدار كل ساحة وفق ميزانها الخاص ،والهدف هنا ليس الوصول للحسم النهائي، بل لمنع الهزيمة، وتحقيق تراكم للمكاسب الجزئية، ما يعني الحفاظ على زمام المبادرة عبر التحكم بإيقاع الصراع.
بتفكيك هذه الستراتيجية يمكننا فهم سلوك الجمهورية الاسلامية بعد تصاعد موجات التصعيد العدوانية الامريكية ، حيث عمدت طهران لاعادة ترتيب أدواتها ضمن مقاربة مركبة ،تقوم على تجزئة الملفات، وهو نهج يتجاوز كونه تكتيكا تفاوضيا بقدر تمثيله لبنية تفكير استراتيجية تهدف إلى تقليل الضغوط وإعادة توزيع عناصر القوة ،وفي هذا السياق تتعامل الجمهورية الاسلامية الايرانية مع الملفات الكبرى كالقضية النووية والعقوبات ودعم الحلفاء في محور المقاومة ،وأمن الممرات البحرية كمسارات منفصلة، ما يسقط فكرة الصفقة الشاملة ويكرس التفاوض المرحلي والتوازن المتدرج.
ينبع هذا النهج من إدراك ايران أن ربط الملفات يضاعف كلفة التنازل، بينما يتيح فصلها مرونة أكبر في المناورة يتيح استخدام الأوراق في توقيت مناسب ،فالموقع الجيوسياسي بوجود مضيق هرمز، يمكن توظيفه كأداة ضغط دون استنزافه في مسار واحد، كما تدار أوراق النفوذ الإقليمي وفق حسابات الميدان لا شروط التفاوض.
هذه الحسابات وتطبيقاتها ضاعفت لدى الدبلوماسية والقرار الايراني قدرة على التحكم بالزمن عبر توزيع الصراع على مراحل، ما سمح بامتصاص الصدمات واختبار الخصوم وتفكيك تماسكهم. وهي ايضا وسيلة لإدارة ما يطلق عليه ب الادراك الدولي، عبر منع تشكل اجماع موحد، وتحويل الضغط من حالة مركزة إلى ضغوط متفرقة أقل تأثيرا.
اما النتائج المتوقعة والتي بات يظهر بعضها جليا باعادة فتح مضيق هرمز فتتمثل في بناء توازنات جديدة ،قد تبدو هشة لكنها مستقرة نسبيا فالجمهورية الاسلامية الايرانية لم تنسق نحو حرب شاملة ولم تنجر عنوة لتحقيق تسوية نهائية، بل ركزت في ايجاد حالة من اللاحسم المنظم، حيث تدار الازمات بدل حلها المكلف ، وهذا يشير الى بقاء اوراق القوة الجغرافيا والنفوذ والقدرات التقنية مخزونا يستخدم تدريجيا، وهو ما يعزز قدرة هذا النهج على مواجهة الضغوط المتصاعدة والحفاظ على موقع المبادرة .

