التحليل السياسي بين ميزان الحق ومزالق الهوى والمطامع

التحليل السياسي بين ميزان الحق ومزالق الهوى والمطامع
التحليل السياسي الموضوعي يتطلب الإنصاف والبعد عن الهوى والمصالح. الانحراف يحوّله إلى تسقيط وتشويه للحقائق. مسؤولية الكلمة عظيمة، ولا ينهض بها إلا من جمع بين العلم والعدل، متجنبًا الانحياز الأعمى والمنفعة الشخصية....

أن تكون محللا سياسيا أو مراقبا للشأن العام يعني أن تكون قائما على ميزان الموضوعية في الطرح دقيقا في بيان المشكلات وتشخيصها قادرا على كشف مكامن الخلل واستشراف سبل المعالجة والحلول الممكنة دون إفراط أو تفريط.

ولا ريب أن هذا لا يعني التخلي عن الثوابت العقدية والدينية بل قد يستبطن في أحيان كثيرة الدفاع عنها بوضوح أو ضمنا في سياق التحليل ما دامت حاضرة بوصفها مرجعية فكرية لا يمكن تجاوزها مطلقا.

ولكن الخطورة كل الخطورة تكمن فيما لو ينزلق المرء فيتحول من محلل إلى منحاز فيميل كل الميل إلى جهة أو طرف بعينه دون برهان واضح أو مسوغ جلي فيتولى الدفاع عن أخطائهم الواضحة وكأنها صواب محض أو يسارع إلى تبرير الزلل دون وجه حق لمجرد الانسجام مع الهوى أو التوجه أو المصلحة أو القرب الفكري وهنا تكون الخيانة الحقيقية لأمانة التحليل الموضوعي.

ويمكن ان أقول أيضا إن من الانحدار الخطير أن يتحول النقد إلى أداة للتسقيط الممنهج بحيث تُستهدف جهة أو شخص لا لخطأ مشخص أو خلل موثق بل لمجرد عدم الانسجام مع الرغبة أو التوجه أو لغياب المنفعة فيُغتال المعنى وتُشوه الحقائق وتضيع البوصلة بين النقد العلمي والتصفية الفكرية.

وعليه فإن الواجب أن يُحلل الإنسان بوعي وأن يصدح برأيه بجرأة لكن ضمن ميزان دقيق من الإنصاف حيث لا يكون الكلام تابعا للأهواء بل خاضعا للحقائق مصداقا لقوله تعالى (وما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) ولا يكون التحليل وفق ميزان مقلوب تحكمه المصالح أو العواطف أو قاعدة (من يأخذ أمي يصير عمي “وازيد على المثل” وممكن ابوي).

وهنا فإن أخطر ما في هذا الانحراف أنه لا يقتصر أثره على القائل وحده بل يتجاوزه إلى المتلقي لأنه في الأصل كلام المحلل موجه له فتتلوث افكاره وذاكرته بالمعلومات المشوهة وتختل عنده موازين الفهم فيتبدل معيار الحق والباطل وتضطرب عنده البوصلة الفكرية بسبب ما يُلقن له من خطاب مشحون بالميل أو التحامل أو الانتقائية.

ومن هنا نفهم ان مسؤولية الكلمة مسؤولية كبرى وأمانة التحليل أمانة ثقيلة لا ينهض بها إلا من جمع بين العلم والإنصاف وبين الثبات على المبدأ والعدل في الحكم بعيدا عن سطوة الهوى وضغط الانتماء الأعمى أو المنفعة الشخصية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *