كان السيد الشهيد الصدر ( ره)قد وضع شروطاً لنهضة الأمة مثل توفر المبدأ الصالح، وتوفر الإيمان به، وفهمه، وقد تعلمت ونهلت أجيال كثيرة من تلك المبادئ الأصيلة، وشاهدنا تجليات تلك المبادئ في شريحة عريضة من الناس في العراق وإيران وبلاد أخرى.
لقد كانت تلك الأفكار الأصيلة تلمع في مواقف كثيرة متفرقة، لكن الشعب الإيراني أضاف إلى تلك المبادىء مبدءً مهماً وهو مبدأ توفر القيادة الصالحة والتي تعمل على تطبيق المبدأ الصالح ليسري منها إلى صناعة الأمة الصالحة.
وقد تجسد ذلك في قيادتي السيد الإمام الخميني والسيد الإمام الشهيد الخامنئي( رحمهما الله).
لقد قرأنا أن الأمة في عصر النبي موسى ( عليه السلام ) رغم وجود القيادة الإلهية، لكنها كانت متخلفة عن إدراك تعاليم وتوجيهات تلك القيادة الربانية؛ فعندما ذهب موسى عليه السلام لمقيات ربه وغاب عنها لأربعين ليلة تداعت تلك الأمة ورجعت القهقري وهبطت من التوحيد إلى عبادة العجل.
وفي عصر النبوة وتحديداً في( غزوة أُحد )عندما دارت الدائرة على المسلمين أطلق المشركون شائعاتهم بمقتل الرسول الكريم، وفرّ المسلمين مدبرين لايلوون على شيء ولم يبق معه إلا الإمام علي عليه السلام ، ووبخهم المولى تعالى بقوله: ( أفإن مات أو قتل انقلبتم على اعقابكم).
حالياً نشاهد أن الأمة قد تعلمت الدرس من التاريخ وامتصت التجربة وحلبوا اخلاف الليالي والأيام، وأخذت الأمة تتكامل مع القيادة وتؤدي دورها في الحضور عند وجود القيادة أو غيابها، وهو ما لاحظناه من حضور الشعب الإيراني إلى الشوارع والساحات والمساجد بعد مقتل الإمام الشهيد الخامنئي، حتى أن حضورهم إلى صلاة الجمعة بعد شهادة الامام القائد الخامنئي ؛ قد فاق ذلك الحضور الحاشد في بداية انتصار الثورة الإسلامية.
لقد طوى الشعب الإيراني ( ٤١) يوماً ولم يترك الساحات والشوارع في بيعته لقيادته ورفضه للعدوان الصهيوني والأمريكي . بتصوري القاصر أن هناك فرق بين الأمة التي ( أُخرجت للناس ) ، وبين الأمة الشاهدة على الناس (لتكونوا شهداء على الناس) إنها أمة شاهدة وقيمة في تأثيرها المعنوي على الناس، وأمة شاهدة تتحدث عنها الأمم وتتأسى بمواقفها في حضورها وولائها وقيامها وصمودها ومقارعتها لقوى الشر …
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم صلابة هذه التجربة بمعزل عن تفاعلٍ عميق بين الوعي الجمعي والشرعية الرمزية للقيادة، حيث تتحول العلاقة من طاعةٍ تقليدية إلى شراكةٍ تاريخية في صناعة المصير. إن الأمم التي تبلغ هذا المستوى من الاندماج بين الفكرة والقيادة تمتلك قابلية الاستمرار حتى في لحظات الفراغ والاختبار. كما أن هذا النمط من التماسك يعيد تعريف مفهوم القوة، من كونه تفوقاً مادياً إلى كونه رسوخاً في المعنى والاتجاه. ومن هنا، يغدو الفعل الشعبي نفسه أداةً لإنتاج الشرعية وتجديدها، لا مجرد انعكاسٍ لها.
إن الشعب الإيراني وقيادته قدموا لنا درساً كبيراً في الحضور الواعي حتى مع غياب القيادة ، ودرساً في الصمود والصبر والمقاومة والنصر حتى أمام أقوى القوى المادية . نعم إنها أمة مظلومة لكنها قوية ومقتدرة .


