ما بين الفاو ومضيق هرمز إيران تكتب بيان الانتصار … بوصلة المواقف …

ما بين الفاو ومضيق هرمز إيران تكتب بيان الانتصار ... بوصلة المواقف ...
الفاو وهرمز نموذجان لخطأ تقدير القوة. تبدأ المواجهات بأهداف كبرى ثم تضيق لتعريف النصر باستعادة ما كان موجوداً. القصة أعمق مما يُعلن: إعادة تعريف الإنجاز لإخفاء المأزق...

قد يبدو العنوان للوهلة الأولى حديثاً عن مسافة جغرافية، لكنه في جوهره قراءة في مأزق القوة حين تنحرف عن حساباتها، فتضيق أهدافها بعد أن كانت واسعة، وتتحول شعاراتها من الهجوم إلى محاولة حفظ ما تبقى من ماء الوجه.

في الفاو تتجسد واحدة من أبرز صور هذا التحول. فقد دخل صدام حسين الحرب وهو يرفع سقف الأهداف إلى تحطيم الخصم وإعادة رسم التوازن الإقليمي، لكن مع مرور الزمن واستنزاف القدرات، تراجعت هذه الأهداف تدريجياً. حتى وصل الأمر إلى أن صُوِّر استعادة الفاو وكأنها الانتصار بحد ذاته، رغم أنها كانت أصلاً تحت سيطرته قبل أن تتغير المعادلات. وهنا تكمن المفارقة: حين يصبح استرجاع ما كان موجوداً سابقاً إنجازاً يُسوَّق على أنه نصر، فإن ذلك يكشف حجم المأزق أكثر مما يعكس قوة الإنجاز.

هذا المشهد لا يُقرأ كتفصيل تاريخي فحسب، بل كقاعدة تتكرر. فالقوة حين تتورط دون حساب دقيق، تجد نفسها تعيد تعريف النصر بما يتناسب مع خسائرها، لا مع طموحاتها الأولى.

ومن الفاو إلى مضيق هرمز، تتكرر الصورة بشكل آخر. فبدلاً من أن يكون المضيق مجرد ممر مفتوح كما كان، أصبح محور خطاب وتصعيد، وتحول إلى عنوان رئيسي في المواجهة. وهنا يبرز دونالد ترامب، الذي أخذ يركز على هذا المضيق وكأنه العقدة التي يجب حلها، محاولاً حشد العالم وإعادة توجيه الأنظار إليه.

لكن المفارقة أن هذا التركيز بحد ذاته يعكس مأزقاً مشابهاً، إذ يبدو وكأن الهدف قد انحصر في مسألة لم تكن مطروحة أصلاً بهذا الشكل. فالمضيق كان مفتوحاً، ولم يكن عنوان أزمة عالمية، لكن التصعيد حوّله إلى ورقة ضغط، وإلى نقطة اختبار لإرادات متقابلة.

وكأن المشهد يعيد نفسه بصيغة جديدة: تضييق في الأهداف بعد اتساعها، وتركيز على نقطة محددة يجري تضخيمها إعلامياً وسياسياً، وكأن العالم لا يدرك خلفياتها أو مسار تحولها. في الحالتين، يتم تقديم الهدف الجديد باعتباره مركز الصراع، بينما هو في الحقيقة نتيجة لمسار طويل من الحسابات غير الدقيقة.

في هذا السياق، تظهر إيران كطرف استطاع استثمار هذا التحول، فالتعامل مع مضيق هرمز لم يعد مجرد مسألة جغرافية، بل أصبح جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بالنفوذ والتأثير. ومع كل تصعيد، تتعزز أهمية هذا الموقع، وتزداد قيمته كورقة ضغط في مواجهة منظومات أكبر.

إن المقارنة بين الحالتين لا تهدف إلى المساواة، بل إلى إبراز نمط يتكرر: حين تبدأ المواجهات بأهداف كبرى دون حساب كافٍ، تنتهي غالباً بمحاولات إعادة تعريف النصر في إطار أضيق، ويتم تسويق ذلك وكأنه إنجاز حاسم.

وهكذا، فإن ما بين الفاو ومضيق هرمز ليس مجرد خط على الخريطة، بل قصة عن القوة حين تخطئ التقدير، فتجد نفسها تحشد العالم حول نقطة، بينما العالم كله يدرك أن القصة أعمق بكثير مما يُعلن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *