يعتقد كثير من السياسيين أن قبول أمريكا بوقف إطلاق النار مع إيران واعتماد شروطها العشرة التي أعلنتها هو نصر لإيران ومحور المقاومة .
هناك مسألة مهمة ينبغي فهمها تتعلق بالقبول الأمريكي بالشروط الإيرانية ؛ وهي أن قبولهم بها لايعني قبول اقرار وامضاء ، بل هو قبول للتفاوض عليها ومناقشتها، وقد یستغرق ذلك وقتاً طويلاً في الأخذ والرد والقبول والرفض، الأمر الذي يعني إعادة التموضع العسكري والأمني والسياسي، لکن حتى مع هذا القدر فإنه انتصار لإيران، لأن أمريكا برئيسها وفريقه المتغطرس كانوا يهددون ويريدون من إيران أن تذعن لإملائاتهم وشروطهم وفقط، ثم لما رأوا بأسها انقلبوا خاسرين .
في تلك الشروط التي تتبناها إيران، سقط منها شرط مهم، وهو تسليم ابن شاه إيران السابق ( علي رضا پهلوي)، لأنه تعاون مع الصهاينة والأمريكان في عدوانهما، كما أنّه تأسف حزناً على مقتل الجنود والضباط الأمريكان، ولم ينبس ببنت شفة ولو ریاءً لمقتل ( ١٦٨) طالباً وطالبة في مدرسة ميناب الابتدائية، ولأنّه عمل على تجنيد بعض الناس ضد النظام الإسلامي، كما أن له يد في الاضطرابات الأخيرة التي توسطت حربين خاضتهما أمريكا وإسرائيل ضد ايران.
ومن المفارقات أن ابن شاه إيران السابق كان قد اعتلى المنصة وتحدث إلى الناس من وراء حائل أو حائط زجاجي ضد الرصاص وهو في أمريكا، في حين شاهدنا المسؤولين الإيرانيين والحرب قائمة على قدم وساق يخرجون علناً في التظاهرات الجماهيرية .
إنه الفارق الجوهري بين القيادات الميدانية التي خرجت من رحم الشعب، وبين القيادات التي خرجت من رحم التبعية للمؤسسات الأمنية والسياسات الغربية. نعم إنّه الفارق الجوهري بين القيادة الشعبية التي تستأنس بالموت، وبين القيادة التبعية التي ترفل بنعيم الترف وتتقلب في البلاد الغربية. وهل يستطيع ابن الشاه السابق أن يصنع شعباً يرابط في الميادين والشوارع لأربعين يوماً، أو يصنع قوة عسكرية ذاتية تقارع قوى الاستعمار، أو يجعل من إيران قوة معنوية لها أنصارها حتى خارج جغرافيتها ؟
وفي هذا إطار لا تُقاس قوة الدول فقط بقدرتها على فرض الشروط، بل بقدرتها على تحويل ملفات الخصومة إلى أوراق ضغط قانونية وسياسية طويلة الأمد. إن إدراج شخصيات معارضة مدعومة خارجياً ضمن مسارات الاتهام أو التفاوض لا يهدف بالضرورة إلى تحقيق تسليم فعلي، بل إلى تقييد حركتها وإعادة تعريفها كعبء على داعميها. كما أن هذا المسار يعزز من موقع الدولة التفاوضي عبر توسيع نطاق القضايا المطروحة وربطها بسلوك الخصم وشبكاته. وفي هذا السياق، تصبح المعركة القانونية والإعلامية امتداداً طبيعياً للمعركة الميدانية، لا بديلاً عنها.
قد لا توافق أمريكا وحلفائها على شرط تسليم علي رضا پهلوي ، لكن تنظيم لوائح الاتهام ضده ورفعها للمحاكم الدولية ، أو وضعها على طاولة النقاش والتفاوض مع الأمريكيين يعطي مفعوله في الضغط وتقیید رموز النظام السابق وأعوانهم .
إنّ إيران لو لم تنتصر في الحرب ضد أمريكا وإسرائيل وعسكرهم الاستعماري لما قبلوا بشروطها ،ولما قبلوا بالإستماع إليها وبتصوري أن عليها أن تضيف ذلك الشرط من أجل أمنها واستقرارها.


