ترامب و عدوى العرب: خطاب الإزالة وحسابات ليرمنتوف

ترامب و عدوى العرب خطاب الإزالة وحسابات ليرمنتوف
يتناول النص ظاهرة المبالغة في الخطاب العربي والسياسي منذ الجاهلية حتى العصر الحديث، مستعرضاً أمثلة عربية وأميركية لتهديدات لم تتحقق، ومشيراً إلى أن حسابات الردع والمخاطر المتبادلة تجعل حروب الإزالة أقرب للدعاية منها للواقع...

اشتهر العرب  بالمبالغة منذ القدم ،في الخطاب الموجه بما يستطيعون فعله بإعدائهم ،وكان أسلوب الفخر والهجاء ،يشكل الركن الأهم في صناعتهم الشعرية كما في قول عمرو ابن كلثوم (اذا بلغ الفطام لنا صبياً – تخرّ له الجبابر ساجدينا)أي انه وضعه  بمكان لايمكن ان يبلغه بشر .

ذلك النوع من الخطاب  شكّل المعادل الموضوعي لما كانت عليه حياة الصحراء ،حيث لايمكن العيش بغير القوة وحدها ،لذا لابد من اصطناع القوة ولو في الكلام  .

ثم ظهرت الرسالة الاسلامية ،فتحول الخطاب من القول البشري ،الى التكليف الالهي ، واصبح للعرب قوة حقيقية استطاعوا فيها اخضاع أمم واسقاط أخرى ، لكن الأمم بدورها ، أوجدت قوتها فأسقطت دولة العرب ، بل وحكمتهم أو تحكّمتْ في مصائرهم  .

في العصر الحديث ،اصبحت المبالغة والاختلاق ،نهجاً سياسياً واعلامياً طغى على العقل ، فظهر في حرب حزيران ،الاعلامي أحمد سعيد وهو يردح بأعلى صوته : تجوّع ياسمك لأكل الصهاينة ،في وقت كانت الجيوش العربية تتعرض للهزيمة ، ثم ظهر الصحاف والعلوج الذي هدد بسحقهم ، فيما الدبابات الأمريكية تدخل بغداد .

بعد ذلك ،ظهرت “علامات” أخرى على الخطاب العربي :ضابط كويتي يهدد باحتلال العراق وايران ، محمد بن سلمان يتوعد بإزالة بلد بحجم ايران من الوجود ،ثم يتبعه بيان آخر لسعودي آخر بالإزالة ذاتها ، فيما ابعدت اسرائيل عن خطاب الإزالة .

ولأن الأمريكان “اقرباء العرب” فقد انتهجوا الخطاب ذاته منذ مابعد الحرب العالمية الثانية ،فتوالت (التهديدات) وامتدت:

1- ماك ارثر يهدد بسحق كوريا ،لكنه يكتفي بنصف هزيمة ،فانقسمت كوريا أمام عينيه .

2- جونسون يحاول ازالة فيتنام ،وكان نصفها تحت سيطرته وعملائه ، لكن أمريكا تلقت هزيمة منكرة .

3- تهديد باقتلاع كوبا وهي على مسافة قريبة من الخاصرة الامريكية  ،لكن لا كوبا ازيحت ولا نظامها سقط .

4- ثم توالت (الإزلات) في لبنان ،والصومال ،وافغانستان ،وايران ، ولم يتحقق أي منها .

لاشك ان أمريكا تمتلك من القوة العسكرية ما يمكنها فعلا من سحق بلد بالأسلحة النووية ، لكن ذلك سيجعلها كذلك عرضة للسحق بالأسلحة ذاتها ،بعد ان أصبح الحصول عليها ممكناً بوسائل عديدة ،وأمريكا التي لم تستطع حماية نفسها عند تفجير برجي التجارة العالمي ومقتل 5000 أمريكي ، لاتضمن كذلك حماية نفسها من ردة فعل غير محسوبة (*) كما في رواية ليرمنتوف.

لذا تبدو  أمريكا مترددة  في خوض حرب الازالة ، رغم تصريحات ترامب النارية عن ازالة ايران ،كما لو انها عدوى اصيب بها من العرب ، مع فارق انه يمتلك القوة لتحقيقها ، لولا حسابات (بطل ليرمنتوف) .

(*)في رواية ميخائيل ليرمنتوف (بطل من هذا الزمان) ورغم اشتهار البطل بقوته ومهارته الفائقة في الرماية ،الا انه لايبدو متحمساً في مواجهة خصم أضعف منه بعد ان تغيرت الظروف ،وفي لحظة بالغة الدلالة يقول لصديقه ما فحواه : لا أضمن انه لا يصيبني قبل أن أتمكن من قتله ،وعندها فهي نهايتي حتى لو نجوت ، لأن الجميع  بعدها سيطمع بمنازلتي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *