العراق – اللعنات المقدسة ، والأحقاد المفترسة – دراسة سسيولوجية

العراق – اللعنات المقدسة ، والأحقاد المفترسة – دراسة سسيولوجية
مسيرة العراق التاريخية تختصر صراع الحضارة مع البداوة، والمدينة مع القبيلة. محاولات إنصاف الرافدين قوبلت بالمصير المفجع. الإمام علي حمل مشروع النهضة فاصطدم بلعنات التوراة وقبلية الفاتحين. هل تنجح الأجيال في فك هذه العقدة التاريخية؟...

–  لماذا كل من حاول انصاف العراق – لاقى مصيراً مفجعاً ؟

– من المقدوني – الى الامام علي .

–  متى بدأ تاريخ الصراع في العراق ؟؟ النشأة والجذور.

– قصة العراق مع العرب ،ذهاباً دون اياب .

– يستقتلون في الدفاع عن زوجة النبي ، ويثلبون أبنة النبي .

العرب لم ينصفوا العراق ، رغم ان الحضارة العراقية  هي من أطلق عليهم تلك التسمية “أربو” كما جاء في الألواح الآشورية ، وتعني حاملي القرب ، وفي عصور ماقبل الاسلام ،كانت الحيرة بملوكها المناذرة ،هم ملوك العرب ، الا ان أياً منهم ، لم يعتبر نفسه منتمياً للحضارة الأقدم والأهم سومر وأكد وبابل ،وأحدثوا شبه انقطاع عنها ، خاصة بعد سقوط بابل في 539 ق/م ، وهيمنة الدولة الفارسية على المنطقة ،وبما نسخته من الحضارة الرافدينية ، وشيوع الزرادشتية مكانها .

حين ظهر الاسلام ، جمع في رسالته بين الزرادشتية ديانة الدولة الفارسية ، وبين التوراتية ،وهي واحدة من اشتقاقات المسارات الرافدينية في الأصل ، لكنها اختزلت كافة المعتقدات الرافدينية القديمة ،وأعادت صياغتها ومن ثم تقديمها باعتبارها التاريخ المقدس ، الذي نسخ ما قبله وألغاه ، وذلك مافعله الاسلام لاحقاً  ، حين اختزل كافة الأديان والمعتقدات التي سبقته ، باحتوائها وتقديمها بصورة أخرى ،وان بذات المضمون .

حين كرّس الاسلام انتصاره في الجزيرة ، اتجه المسلمون الأوائل نحو  بلاد الانهار والاخضرار ، فكان  العراق في مقدمة  “ضحايا ” الفتوحات ، وأكثر من وقع عليه حيف الصدمة الأولى ، المتلبّسة بالتاريخ الملتبس  ، وبصرف النظرعن الايمان الديني ،فان آل العراق حرموا من لغاتهم الرافدينية ،ومعتقداتهم القديمة  ومورثاتهم الثقافية ،التي عادت اليهم بشكل آخر وبصياغات مختلفة ،ألزموا على الايمان بها– قسراً أو طوعاً – وبشكل مختلف عما كانوا يعرفونه ويتوارثونه ، كما أطلق عليهم (الموالي) أي أن يكونوا موالين وتابعين لفاتحين ،طالما كان أولئك الفاتـحون ، أدنى منهم في المدنية والتحضّر .

الإمام علي ، بثقافته وفصاحته وسعة اطلاعه وحسّه الانساني  ، رأى مايحدث من انتهاكات للحقيقة وتشويه لأسس الحضارة ، فحاول أن يعيد للعراق بعض اعتباره ،وكانت محاولة نقل العاصمة الى الكوفة ،القريبة من المدن التاريخية للحضارة الرافدينية ، هي أولى تلك المحاولات ، لخلق مدينة بمواصفات حضارية، تحترم حقوق الانسان ، وتقيم نظاماً قائماً على الحريات ،كما عرفته ومارسته الحضارة الرافدينية  القديمة ،فقد أدرك ان العرب لن يدخلوا عالم الحضارة ،ان لم يستطيعوا الدخول في مدنية عريقة بقوانينها وتشريعاتها ونظمها ،كانت قائمة قبلهم بأزمنة طويلة ، لكنهم نقلوا النسخة المشوهة عنها ، المليئة بمرويات امتلأت بالزيف .

لم يفلح سعي الامام علي ،في تحويل الكوفة الى مدينة  على غرار المدن الرافدينية ، فتلك المدن قطعت أزمنة طويلة من البناء التراكمي للمنجز الحضاري ، ووضعت كل ما من شأنه رفع مستوى معيشتها وتلبية احتياجاتها ،كما كوّنت دولة وفق أوضاعها الاجتماعية ، التي تمرّست في البناء المجتمعي وصياغاتها القانونية والأدبية وعلاقاتها الاقتصادية ،كما أندمج  من لجأ اليها من أماكن أخرى ، وتطبع  بطابعها الحضاري .

أما الكوفة ،فكانت بمثابة معسكر، دخلته القبائل العربية بشكل جماعي ،لم يمهلها الزمن ولا الأحداث المتلاحقة  ، للبناء المجتمعي ،ولا اقامة نظام حضاري عريق كما المدن الرافدينية ، لقد حملوا كل عاداتهم وتقاليدهم القبيلة ،ولم يكن من السهل تمرّنهم على السلوك المديني ، بكل مايعنيه من تشابك العلاقات وتعدد مستوياتها .

أدرك الإمام علي ،إن الكوفة لن ترتقي الى أن تكون مدينة رافدينية واقعاً ،وستبقى مشدودة الى سلوكياتها الصحراوية وتناحرها القبائلي ، لذا استعاض عن ذلك ، بالمقولة  والأمثولة ، السلوك الفردي النبيل ،والمقولة الحكيمة ،فجاءت أقوال من نوع : “ربي ماعبدتك خوفاً من عقابك ،ولاطمعاً في ثوابك ، انما وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك ” بمثابة المقولة والمدماك الأهم في البناء .

،الركيزة الأساس في توجهات الإمام علي الفكرية /الفلسفية ،والقراءة التاريخية على السواء ، كانت في جوهرها ،عودة الى الفلسفات الرافدينية في نظرتهم للإله ، بكونه فكرة عظمي انسانية أولاً ، وليس سوط عذاب أو انتقام من جهة ،أو هبات ووعد من جهة أخرى (*)- راجع : الالحاد والتدين في الموروث العراقي  – كتاب “شيعة ضد الشيعة ” دار العارف /بيروت /2023 – ص 87 وما تلاها .

وحتى حينما صدر عن الامام سلسلة من الخطب التي أشادت بأهل الكوفة حيث اعتبرها (جمجمة العرب )  نسبوا اليه كلاماً قاسياً ونابياً ، لايمكن أن يصدر من امام اشتهر بالحكمة وحسن اللفظ ، بل والصقوا حتى قول اسوأ الطغاة ممن حكموا العراق (الحجاج بن يوسف ) لينسبوه الى الامام ،كي يتواصل التشويه في آل العراق .

لقد تصرفت قريش مع الرافدينيين ،كما تصرف التوراتيون من قبلهم ،طمس وتشويه كل مايتعلق بأرثهم الحض اري ،فالتوراتيون انتحلوا ذلك الإرث الهائل لأنفسهم ،وقدموه باعتباره من نتاجهم ،وكذلك فعلت قريش التي حاربت الرسالة الاسلامية بداية ظهورها  وتآمروا على قتل نبيها ،اعتقاداً منهم انها ستسلبهم نفوذهم وموقعهم بين القبائل ، كسدنة وسادة للمكان المقدس (مكة)  التي بناها نبي قدم من بلاد الرافدين  ،  لكنهم سرعان ما رأوا  ان بإمكانهم استثمار تلك الرسالة ذاتها ،للامتداد في جهات الأرض الاربعة كما فعل الرافدينيون من قبلهم  ،مما لاتوفره لهم معتقداتهم القديمة  ، لذا كان من المتوقع أن تحارب قريش ، المصدر والجذر الاساس التي بنيت عليه تعاليم تلك الرسالة ،كي لاينكشف الأصل .

لقد تحول معلمو البشرية الأوائل ، الى تحملّ خطاياها الأولى .

– أنكروا حقائقهم  – وصدّقوا ماقيل عنهم  .

–  عقدة التضحية – وعقدة الأحقيّة .

– المصائر المفجعة لكل من حاول إنصاف بابل

–  من نبوخذ نصر الى الاسكندر ، ومن الامام علي – الى عبد الكريم قاسم .

بدأت محنة الرافدينيين مع أنفسهم أولاً  ، منذ الأزمنة الأولى لظهور منجزاتهم الحضارية وتساؤلاتهم المعرفية القلقة  ،التي تراوحت بين الإيمان بالإلهة  ، والكفر بها في الوقت عينه ، فهم لم يخضعوا للأيمان بأن السماء ، يمكن أن ترسل ملوكاً يحكمون باسمها ويتحكمون بهم أويحددون مصائرهم ، وقد ساعدتهم في تلك التصورات ، طبيعتهم الجغرافية الخصبة والمتنوعة ، التي منحتهم الكثير من الحرية والوافر من سعة العيش ،فلم تكن صحراء قاحلة يستمطرون سماءها بالدعاء فتشح عليهم ، ولاجبالاً وعرة لايغادرها الضباب والصقيع ،تضطرهم اللجوء الى الكهوف ،ولا مصدراً واحداً للمياه  وسط صحراء شاسعة ،ويتحكم به الملوك / الآلهة.

كانت أرضهم كثيرة الانهار والجداول  ،تمتد فيها كما الشرايين في المعصم ،وتحيط بهم من كل جانب ، مايوفر  الكثير من عوامل الاستقرار ، والنظر الى الالهة بنوع من “الاريحية” اي انها لم تكن قاسية وشحيحة ،كي يسعوا لتجنب غضبها ، لذا اختاروا لها ألواناً تضج بالحياة ،الأزرق للسماء (آن) أي الحاضر دوماً ،والأخضر للخصب (دوموزي) العائد مرتين ، والأبيض للثلوج والرياح (آنليل ) والأصفر للشمس (شمش)  والفضي للقمر (سين ) المبتسم ، ولم ينسوا آلهة الحب والجمال (آن آنا) السماوية ،ولونها المزهر.

لم يختلف الرافدينيون على طبيعة التصرف مع الآلهة ، واستمروا بتكييفها وفق حاجاتهم ،تارة يغضبون منها ويعاتبونها بقسوة ،وطوراً يشيدون بها ويشكرون عطاءها .

كانت بدايات المأساة التي ستوشم العراقيين ،هي الخلافات التي عصفت بين مدنهم ، حين تحولت الى صراعات دامية وكراهيات متبادلة ، دافعها الاستيلاء على المزيد من الحقول ،  وقد بدأت في الصراع الشرس بين مدينتي أوما ولاكاش ،انتهت بصلح رعاه كبير كَيش “مسيليم ” وكَيش في الموروث السومري ،هي  المدينة المقدسة الأولى ، التي بناها الرافدينيون بعد انحسار الطوفان ،وبمباركة الالهة .

تلك كانت الجملة الأولى ،مما سيمتلئ به تاريخهم ،بل حتى حكاياتهم واساطيرهم ،التي بدأوا بتسطيرها ضد بعضهم البعض ،ومنها حكاية ذلك السومري الذي اغتصب انانا  / عشتار السماوية ، وهي تنام على ضفاف النهر ،فدعت عليه باللعنة .

مآسي العراقيين الفعلية ، بدأت مع بداية العصر الآشوري ، ومافعله ملوكها في تهديد وأسر التوراتيين ، حيث أجبر سنحاريب ، ملك اورشيليم  على دفع جزية باهظة ،وهدده بالقتل ساخراً من الههم ، لكن مصيرسنحاريب  الفاجع قتلاً على يد أقرب الناس اليه ،أضاف عوامل أخرى واقعية ،الى حكايات اللعنة الأسطورية ،التي دخلت نفوس العراقيين وتكرست لاحقاً لتصبح يقينية .

ثم اكتملت سلسلة الفواجع في السبي البابلي الذي قام به نبوخذ نصّر لليهود ، وما أشيع عن اصابة الملك المنتصر نفسه بالجنون ، ومن ثم جاء غزو قورش وتدمير بابل ، ليجعل المخيال العراقي ، يتجسد في  قناعات ترسخت مع مرور الأزمنة ، وما تخللها من كوارث .

لم يؤخذ بنظر الاعتبار ،ان نبوخذ نصّر ، لم يُضطهد التوراتيين ولم يستعبدهم “فقد امتلكوا المزارع والبساتين وشقوا الترع ،ولولا انبياؤهم الذين كانوا يحثونهم في العودة الى أرض الميعاد ،لاندمج الاسرائيليون في المجتمع الكلداني كلياً ” كما يذهب مؤرخ اسرائيلي (اسرائيل روبنشتاين)  .

التهجير الذي تم لأسباب سياسية /عسكرية ، بعد تعاونهم المتكرر مع فراعنة مصر ، ضد بابل ، لم ينظر اليه بهذه الصيغة ،فقد انفلتت مشاعر الانتقام من كل قيد ،وامتلأت اسفار التوراة باللعنة على بابل ،وهي المدينة الوحيدة في التاريخ ، التي حملت كل هذه اللعنات ، وحين سقطت بابل ، لم تسقط معها اللعنات ومشاعر الانتقام ،فقد جاءت بعدها احتلالات جديدة ،بعضها عرف أهمية بابل الحضارية، ومن ثم اعاد لها الاعتبار بجعلها عاصمته الكبرى – الاسكندر المقدوني – التي انطلق منها لتحرير العالم القديم ، لكنه موته المبكر في مرض غريب ، أعاد اعتبارات اللعنة المسلطة على بابل واهلها ،فيموت بفاجعة كل من يحاول نصرتها واسترجاع  بعض حقائقها .

الاسلام لم يغير من الصورة النمطيةلبابل المعلونة كما قدمتها التوراة ، بل اعادها مرة أخرى ،بأن جعلها مدينة السحرة والكهنة المشعوذين ، ولم يقل انها بلاد العلماء والشعراء المبدعين ، فتشوهت حقيقتها من جديد ، لكن ذلك لم يكن كافياً كي تدفع بابل ثمن واقعة تاريخية وتفوّق حضاري ،فمن جديد تظهر على شكل مدينة مجهولة ،أطلق عليها (أرم ذات العماد) طمرت بريح صرصر، انتقاماً لطغيان أهلها وكفرملوكها ، وكانت تلك الريح ،اشارة غير خافية لما حل ببابل على يد قورش .

لذا حينما وفد العرب (الفاتحون) الى العراق ، كانوا يحملون كل حكايات اللعنة ، الشائعة من الموروث التوراتي ، ثم صادق عليها ماجاء في الرسالة الاسلامية ، لذا لم يكن مستغرباً ان تكون خطبة بدوي مشبع بالكراهية كالحجاج بن يوسف ، تبدأ بلعنة وشتم  أهل العراق ،وبدل أن يكونوا أهل ثورة تأبى الظلم ،أصبحوا أهل شقاق ونفاق ، لتتشوه الحقائق في جديد متواصل .

((الجناية)) التي ارتكبها الإمام علي بنظر قريش ، قدلاتكون معركة الجمل بذاتها ،ولا تجريد معاوية من ولاية الشام ، ولا عدم منح ولاية للزبير وطلحة ،فكل ذلك يمكن تجاوزه ، لكن أن يعيد الاعتبار الى الكوفة ليجعل منها بداية نهضة ، لتاريخ حضاري يمتد عبر الاف السنين ،ويدين له حتى ديانتهم القرشية، التي جعلتهم أسياد العالم وليس العرب وحسب ، لذا كان ينبغي ان ينال ماناله قبله ، كلّ من حاول انصاف بابل واظهار حقائقها التي تكرر تشويهها،  كيف لاتنكشف  بصورة مغايرة لما روّج وشاع .

ثم دخلت أرض العراق في ظلم الأمويين ،واستمرت اللعنات تنهال عليهم ، ثم جاء العباسيون ،ورغم انهم اتخذوا من بغداد عاصمة لهم ،وجعلوا منها أعظم مدن الدنيا وأكثرها نفوذاً ، بحيث فاقت في زمنها ،عما كانت عليه بابل ، الا ان ما دخلها من صراعات ،وما سلط عليها من تشوهات وحكّام جائرين  ، آل الى سقوطها التاريخي المدوّي ، الذي لم تنهض بعده ،وسادتها عصور مظلمة قاسية .

وهكذا تدحرجت الأزمنة ككرة ملتهبة ،تطحن في طريقها أجيالاً ،تربت ونشأت  – بل وتعودت – على صراعات لم تتوقف يوماً ،لتسمح لهم بالتقاط أنفاسهم ،ومن ثم اعادة الاعتبار الى ماسلب منهم ..

فهل يمكن الخروج من تلك ((اللعنات)) ؟؟ وماهي الامكانيات المتوفرة ،لبناء حاضر ،يستحضر الماضي دون الوقوع في براثنه ،ويرسم ملامح المستقبل ، دون الوقوع في متواليات اليأس …. للحديث بقية ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *