بدأت تشهد منطقة الخليج في ظل الحرب مع إيران تحوّلًا لافتًا في طبيعة إدراكها لمفهوم “الحماية الأمريكية”، خصوصًا مع تصاعد المواجهة الإقليمية المرتبطة بإيران، فبعد عقود طويلة من اعتبار الولايات المتحدة الضامن الرئيسي لأمن الخليج واستقراره، أخذت تتشكل مقاربة أكثر نقدية تتساءل عمّا إذا كانت هذه الحماية لا تزال تؤدي وظيفتها التقليدية كدرع رادع، أم أنها تحولت تدريجيًا إلى عامل استنزاف ومصدر تهديد غير مباشر.
تشكّل معاهدات الحماية والردع إحدى الركائز الأساسية في بنية النظام الدولي، إذ تعكس طبيعة العلاقات غير المتكافئة بين الدول، حيث تلجأ الدول ذات القدرات المحدودة إلى قوى كبرى لتأمين مظلة أمنية تضمن بقاءها واستقرارها، وفي هذا السياق برزت دول الخليج بوصفها نموذجًا واضحًا لهذه المعادلة، حيث ارتبط أمنها الاستراتيجي منذ عقود بمنظومة الحماية الأمريكية، في إطار توازنات إقليمية معقدة وتحديات متصاعدة.
يقوم مفهوم الحماية في جوهره على التزام دولة قوية بالدفاع عن دولة أخرى ضد الأخطار الخارجية، مقابل ترتيبات قد تكون عسكرية أو سياسية أو اقتصادية، بينما يرتكز الردع على فكرة منع الخصم من المبادرة بالفعل العدائي من خلال التهديد برد مؤلم ومكلف، وقد تداخل المفهومان في الحالة الخليجية بشكل وثيق، حيث لم تكن الحماية مجرد التزام دفاعي، بل تحولت إلى منظومة ردع متكاملة تقوم على الحضور العسكري الأمريكي المباشر، ونشر القواعد، وتوقيع اتفاقيات الدفاع المشترك، إضافة إلى بناء قدرات عسكرية محلية مرتبطة تقنيًا واستراتيجيًا بالولايات المتحدة.
تاريخيًا، لم تتشكل هذه المنظومة بشكل فجائي، بل جاءت نتيجة تراكمات سياسية وأمنية بدأت مع تراجع الدور البريطاني في الخليج في سبعينيات القرن الماضي، ثم تعززت بشكل كبير بعد حرب الخليج الثانية، التي مثّلت نقطة تحول مفصلية دفعت دول الخليج إلى توسيع نطاق اعتمادها على الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الرئيسي لأمنها، ومع مرور الوقت، ترسخت هذه العلاقة عبر شبكة معقدة من القواعد العسكرية، والتدريبات المشتركة، وصفقات التسليح، والتنسيق الاستخباراتي، ما جعل الأمن الخليجي جزءًا لا يتجزأ من الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.
غير أن هذه المنظومة، التي بدت في مراحل سابقة فعّالة في تحقيق قدر من الاستقرار، بدأت تواجه تحديات جدية مع تغير طبيعة التهديدات، فبدلًا من الحروب التقليدية، برزت أنماط جديدة من الصراع، تقوم على الهجمات غير المتكافئة، واستخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، واستهداف البنية التحتية الحيوية، وفي هذا السياق، كشفت المواجهات الأخيرة المرتبطة بالتصعيد مع إيران عن مفارقة لافتة، إذ لم تتمكن منظومة الردع القائمة من منع وقوع ضربات مؤثرة على أهداف داخل دول الخليج، رغم الحضور العسكري الأمريكي الكثيف.
هذا الواقع ألقى بظلاله على تقييم جدوى هذه الاتفاقيات، حيث بدأت تتصاعد تساؤلات حول ما إذا كانت لا تزال تؤدي وظيفتها الأساسية كأداة ردع، أم أنها تحولت تدريجيًا إلى عامل استقطاب للصراع فبدلًا من أن تمنع المواجهة، أصبح الوجود العسكري الأمريكي في بعض الحالات سببًا مباشرًا في إدخال دول الخليج ضمن حسابات الاستهداف، بوصفها جزءًا من منظومة الخصم وبذلك، لم تعد هذه الدول مجرد أطراف محمية، بل تحولت إلى ساحات محتملة للصراع، وهو ما يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة المخاطر التي تواجهها.
إن هذا التحول يطرح إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الاعتماد الاستراتيجي، إذ أن ربط الأمن الوطني بإرادة قوة خارجية يجعل هذا الأمن عرضة للتقلبات السياسية لتلك القوة، فضلًا عن أولوياتها المتغيرة، وقد أظهرت بعض المواقف أن الاستجابة الأمريكية لا تكون دائمًا بمستوى التوقعات الخليجية، سواء من حيث سرعة التدخل أو طبيعة الرد، ما يضعف من مصداقية الردع ويؤثر على ثقة الحلفاء به، كما أن الكلفة الاقتصادية والعسكرية لهذا الاعتماد، بما في ذلك صفقات التسليح الضخمة، تطرح تساؤلات إضافية حول مدى التوازن بين الكلفة والعائد.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن اتفاقيات الحماية لم تعد تؤدي الدور ذاته الذي كانت تقوم به في السابق، بل دخلت مرحلة إعادة تعريف، تتداخل فيها عناصر القوة والضعف بشكل معقد،فهي من جهة لا تزال توفر مظلة أمنية مهمة، وتمنح دول الخليج قدرة على مواجهة تهديدات معينة، لكنها من جهة أخرى تسهم في تعميق انخراط هذه الدول في صراعات إقليمية، وتحد من هامش استقلال قرارها الاستراتيجي.
بالتالي فإن مستقبل هذه الاتفاقيات يبدو مفتوحًا على عدة احتمالات، تتراوح بين إعادة التكيّف عبر تطوير صيغ أكثر توازنًا للعلاقة مع الولايات المتحدة، أو الاتجاه نحو تنويع الشراكات الدولية لتقليل الاعتماد الأحادي، أو حتى بناء منظومات أمن إقليمي أكثر استقلالية، وفي جميع الأحوال، فإن الاتجاه العام يشير إلى تراجع النموذج التقليدي للحماية، وصعود الحاجة إلى مقاربات أكثر مرونة تعتمد على مزيج من الردع الذاتي والدبلوماسية الإقليمية.
إن الرؤية المستقبلية لأمن الخليج لا يمكن أن تستند إلى أدوات الماضي وحدها، بل تتطلب إعادة صياغة شاملة للمفاهيم والسياسات، تأخذ في الاعتبار طبيعة التهديدات الجديدة، وحدود القوة العسكرية في مواجهتها، فبدلًا من الاعتماد المطلق على الحماية الخارجية، قد يكون من الضروري تبني استراتيجيات تقوم على تقليل التوترات، وبناء قنوات تواصل إقليمي، وتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، بما يحقق توازنًا بين متطلبات الأمن وضرورات الاستقرار.
في المحصلة، تكشف تجربة اتفاقيات الحماية والردع في الخليج عن حقيقة مفادها أن الأمن لا يمكن استيراده بشكل كامل من الخارج، وأن الاعتماد المفرط على القوى الكبرى قد يحمل في طياته مخاطر بقدر ما يوفر من ضمانات، وبينما لا يمكن إنكار الدور الذي لعبته هذه الاتفاقيات في مراحل سابقة، فإن استمرارها بصيغتها الحالية يظل محل تساؤل، في ظل بيئة إقليمية تتغير بسرعة، وتفرض على دول الخليج البحث عن معادلات أمنية أكثر استقلالًا ومرونة.


