اشكالية وحدة القرار السياسي في العراق في ظل التعددية البنيوية وتحديات السيادة

اشكالية وحدة القرار السياسي في العراق في ظل التعددية البنيوية وتحديات السيادة
يعاني العراق من تعدد الفاعلين وتداخل الصلاحيات وتأثيرات إقليمية متشابكة، ما يضعف وحدة القرار السيادي ويخلق ازدواجية بين الخطاب والممارسة. ويؤدي غياب الرؤية الاستراتيجية والتنسيق المؤسسي إلى قرارات هشة تعيق الاستقرار السياسي وبناء علاقات خارجية متوازنة....

يشهد النظام السياسي في العراق حالة معقدة من التشابك البنيوي، جعلت من مسألة  وحدة القرار السياسي واحدة من أبرز الإشكاليات المزمنة التي تعيق تطور الدولة واستقرارها، فمنذ التحول السياسي الذي أعقب عام 2003، تأسس النظام على قاعدة التعددية والتوافق بين قوى سياسية متعددة، تختلف في توجهاتها الأيديولوجية وارتباطاتها الداخلية والخارجية هذه الصيغة، رغم ما وفرته من تمثيل واسع لمكونات المجتمع، أسست في الوقت ذاته لنمط حكم يقوم على التوازنات الهشة بدلًا من مركزية القرار، ما انعكس بشكل مباشر على قدرة الدولة في حسم القضايا السيادية والأمنية.

في هذا السياق، لا يمكن فهم أزمة القرار السياسي دون التوقف عند طبيعة الفاعلين داخل المشهد العراقي، فالدولة لم تعد الإطار الوحيد المنتج للقرار، بل أصبحت واحدة من عدة مستويات تتوزع بينها السلطة الفعلية، إلى جانب المؤسسات الرسمية، برزت قوى سياسية تمتلك أدوات نفوذ ميداني، ما أوجد واقعًا تتداخل فيه الصلاحيات وتضيع فيه الحدود بين ما هو رسمي وما هو مفروض بحكم الأمر الواقع، هذا التداخل لا يؤدي فقط إلى إرباك عملية صنع القرار، بل يخلق أيضًا حالة من الغموض في تحديد المسؤوليات، حيث يصبح من الصعب مساءلة جهة محددة عن نتائج السياسات أو الإخفاقات.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيدًا حين تُوضع في سياق البيئة الإقليمية المضطربة التي يتحرك ضمنها العراق، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية على أرضه بصورة مباشرة وغير مباشرة، فالعراق بحكم موقعه الجيوسياسي وتركيبته الداخلية، لا يتحرك في فراغ، بل يجد نفسه جزءًا من توازنات دقيقة بين قوى متنافسة، ما يجعل أي قرار سيادي عرضة لتأثيرات خارجية متفاوتة، وفي ظل تصاعد التوترات في المنطقة، يتحول مبدأ  الحياد  الذي تعلنه الدولة إلى خيار نظري أكثر منه سياسة قابلة للتطبيق الكامل، بسبب تشابك الداخل مع الخارج.

هذه الحالة تخلق ازدواجية واضحة بين الخطاب الرسمي الذي يؤكد على النأي بالنفس وتجنب الانخراط في الصراعات، وبين ممارسات فعلية تُظهر انخراطًا غير مباشر عبر بعض الفاعلين المرتبطين بحسابات إقليمية،وهنا لا تكمن المشكلة فقط في هذا التباين، بل في انعكاساته على مصداقية الدولة، إذ تبدو في نظر الأطراف الأخرى غير قادرة على ضبط سلوكها الداخلي أو توحيد موقفها الخارجي ونتيجة لذلك، تتعرض سياستها الخارجية لتفسيرات متباينة، فتُقرأ أحيانًا بوصفها حيادًا انتقائيًا، وأحيانًا أخرى كغطاء لتحركات غير معلنة، ما يضعف قدرتها على بناء علاقات متوازنة ومستقرة.

كما أن هذه الازدواجية تُفقد القرار السياسي وضوحه، إذ يصبح محكومًا بمنطق التوفيق بين ضغوط متعارضة بدل الانطلاق من رؤية وطنية مستقلة، فبدل أن يكون الحياد خيارًا استراتيجيًا مدعومًا بأدوات تنفيذ واضحة، يتحول إلى موقف هش يتأرجح تبعًا لتطورات الإقليم وموازين القوى فيه.

ولا يقتصر غياب وحدة القرار على تعدد الفاعلين، بل يمتد إلى غياب رؤية استراتيجية متكاملة لإدارة الأزمات، ففي كثير من الأحيان، تتعامل الدولة مع التحديات الكبرى بأسلوب رد الفعل، بدلًا من تبني سياسات استباقية مبنية على تقدير دقيق للمخاطر والفرص، هذا النمط من الإدارة يؤدي إلى تراكم الأزمات بدل احتوائها، ويجعل القرارات رهينة اللحظة السياسية والضغوط الآنية، بدل أن تكون جزءًا من مشروع وطني طويل الأمد.

إلى جانب ذلك، يلعب ضعف التنسيق بين السلطات المختلفة دورًا إضافيًا في تعميق الأزمة، فالعلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية غالبًا ما تخضع لحسابات سياسية وحزبية ضيقة، ما يؤدي إلى تعطيل أو تأجيل قرارات حاسمة في أوقات تتطلب سرعة ومرونة في الاستجابة، كما أن غياب التوافق السياسي الداخلي يجعل من الصعب تمرير سياسات إصلاحية أو اتخاذ مواقف موحدة تجاه التحديات الخارجية.

إن جوهر الإشكالية في العراق يكمن في محاولة التوفيق بين نظام تعددي بطبيعته، وبين الحاجة إلى قرار سيادي موحد، فالتعددية رغم أهميتها في تمثيل المجتمع، تتحول إلى عامل ضعف حين لا تُنظَّم ضمن إطار مؤسسي واضح يحدد آليات اتخاذ القرار ويضمن الالتزام به، ومن دون وجود مركز قرار فعّال، تبقى الدولة عرضة للتجاذبات الداخلية والتأثيرات الخارجية، ما يحد من قدرتها على فرض سيادتها وتحقيق استقرارها.

في المحصلة، يتطلب تجاوز هذه الإشكالية إعادة صياغة العلاقة بين الدولة وباقي الفاعلين، على أساس ترسيخ مبدأ احتكار القرار السياسي والأمني ضمن المؤسسات الرسمية، كما يستدعي ذلك بناء استراتيجية وطنية جامعة، تقوم على تعريف واضح للمصالح العليا للدولة، وتحديد أدوات تحقيقها بعيدًا عن الانقسامات، وحده هذا المسار يمكن أن يعيد للدولة قدرتها على إنتاج قرار موحد، ويضع العراق على طريق الاستقرار السياسي الحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *