المقدمة:
بعد أسابيع من العدوان المشترك على إيران، الذي أعلن خلاله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحقيق “انتصارات ساحقة”، بدأت ملامح أزمة استراتيجية حادة تلوح في الأفق. ما رُوّج له كـ”عملية خاطفة” لإجبار إيران على الرضوخ، تحول إلى مستنقع يكشف عن أزمات بنيوية في السياسة والعسكرية الأمريكية، تمتد تداعياتها إلى أوروبا والحلفاء، بينما يظهر محور المقاومة متماسكاً وقادراً على الصمود.
العرض:
أولاً: سقوط التفوق الجوي الأمريكي
إسقاط الطائرات الأمريكية المتطورة شكّل نقطة تحول فارقة، حيث أعلنت إيران إسقاط طائرتين من طرازي F-15E و A-10 Warthog فوق مياه الخليج. لم يكن ذلك مجرد خسارة تكتيكية، بل انهياراً لرواية “التفوق الجوي” التي راهن عليها البنتاغون. تحوّل شعار واشنطن من “تغيير النظام” إلى “البحث عن الطيارين المفقودين”، في مفارقة تكشف عمق المأزق العسكري.
ثانياً: أزمة الكونغرس وحرب الأرقام
يشهد الكونغرس انقساماً حاداً يُعيق أي استراتيجية واضحة. البيت الأبيض يسعى لتمرير حزمة تمويل تتجاوز 200 مليار دولار، بينما ترتفع الأصوات المحذرة من الاستنزاف. في الوقت نفسه، تتصاعد التكهنات حول حجم الخسائر البشرية وسط تعتيم منهجي، مما يخلق فجوة بين الرواية الرسمية والواقع الميداني ويُحدث شرخاً في مصداقية القيادة.
ثالثاً: عقدة الغزو البري وتردد واشنطن
التردد في خوض المعركة البرية والإنزال على الجزر الإيرانية يظل أبرز ملامح الانهيار. فطهران أعدت سيناريوهات دقيقة للمواجهة، من حقول الألغام البحرية إلى الطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للسفن. هذا الخوف من “مستنقع المشاة” جعل واشنطن أسيرة قصف جوي عقيم لم ينجح في كسر الإرادة الإيرانية.
رابعاً: التعبئة الشعبية الإيرانية وتماسك القيادة
إيران أعلنت تنظيم أكثر من مليون متطوع للمشاركة في العمليات البرية، مع تدفق هائل للشباب على مراكز التجنيد. هذا الحشد يعكس استعداداً شعبياً حقيقياً لمواجهة أي توغل بري. كما أظهرت القيادة الإيرانية تماسكاً لافتاً، حيث تولى الحرس الثوري إدارة المعركة بعيداً عن البيروقراطية، مانحاً النظام قدرة هائلة على الصمود واتخاذ القرارات السريعة.
خامساً: المقاومة اللبنانية وتحطيم أسطورة الميركافا
على الجبهة الشمالية لإسرائيل، سطرت المقاومة اللبنانية ملاحم بطولية. ففي 48 ساعة فقط، أعلنت عن تدمير 18 دبابة من طراز “ميركافا”، ليصل الإجمالي إلى أكثر من 60 دبابة منذ بدء الاجتياح. الكمائن المحكمة والصواريخ الموجهة أثبتت أن “الميركافا” ليست أكثر من حطام أمام إرادة المقاتلين.
سادساً: أوروبا بين مطرقة التبعية وسندان الحاجة
إغلاق مضيق هرمز رفع أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنسبة 70% والنفط بنسبة 60%. إيطاليا أعلنت تأجيل إغلاق محطات الفحم حتى 2038، بينما تدرس ألمانيا خيارات مماثلة. المفارقة أن واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الروسي المسال سجلت رقماً قياسياً في يناير 2026، لتجد أوروبا نفسها بين مطرقة التبعية لأمريكا وسندان الحاجة إلى روسيا.
سابعاً: الإقالات والانقسامات في قيادة الجيش الأمريكي
من أبرز ملامح الفشل الأمريكي في إدارة الحرب على إيران، سلسلة الإقالات التي طالت قيادات بارزة في البنتاغون. فقد أُجبر عدد من الجنرالات على الاستقالة أو الإبعاد بعد تحميلهم مسؤولية الإخفاقات الميدانية، خاصة في ملف الدفاع الجوي والعمليات البحرية. هذا التصدع داخل القيادة العسكرية يعكس حالة ارتباك غير مسبوقة، حيث تتضارب الرؤى بين من يدفع نحو التصعيد البري وبين من يحذر من الانزلاق إلى مستنقع لا يمكن الخروج منه. الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية لم تعد خافية، بل أصبحت مادة للنقاش في الإعلام والكونغرس، لتكشف أن واشنطن تخوض حرباً بلا استراتيجية موحدة، وأن القيادة نفسها غارقة في صراع داخلي يزيد من مأزقها الاستراتيجي.
الخاتمة:
إن ما يحدث ليس مجرد معركة عسكرية، بل أزمة وجودية للنموذج الأمريكي في المنطقة. بين سقوط المقاتلات، وانقسام الكونغرس، وتردد واشنطن في الهجوم البري، وتعبئة الملايين في إيران، وتحطيم دبابات الميركافا في لبنان، واستجداء أوروبا للغاز الروسي، والإقالات داخل القيادة العسكرية الأمريكية، تتكشف صورة واضحة: خيارات النصر قد استنفدت، ومحور المقاومة أثبت قدرته على الصمود.
إنها ليست مجرد هزيمة عسكرية، بل انكشاف لنموذج الهيمنة الأمريكي بأسره. فالميدان قال كلمته، والنتائج لا تُقرأ بالشعارات بل بالوقائع، والوقائع اليوم لا تخدم واشنطن.


