الوفاء الذي لا يُنسى: العراق يردّ الجميل لإيران بالفعل لا بالكلام

الوفاء الذي لا يُنسى العراق يردّ الجميل لإيران بالفعل لا بالكلام
العراقيون يردون الجميل لإيران بدماء قاسم سليماني ومواقف ٢٠١٤. تلبية لنداء المرجعية، تدفق التبرعات والعربات المحملة بالعون. العتبة الحسينية تنظم المشهد. وفاء بالفعل لا بالكلام، يعيد إحياء معاني الأخوة في وجه العدوان...

في لحظات الشدّة تُقاس المواقف، وتُختبر القيم، وتنكشف معادن الشعوب. وما نشهده اليوم من اندفاع عراقي صادق لدعم الشعب الإيراني ليس مجرد حملة تبرعات عابرة، ولا رد فعل مؤقت تفرضه الظروف، بل هو تعبير حيّ عن وفاءٍ راسخ، وذاكرةٍ لا تنسى، وضميرٍ حيّ ما زال ينبض بعهد الأخوة والمواقف المشتركة.

إن ردّ الجميل لإيران لا يمكن أن يُختزل بكلمات تُقال أو شعارات تُرفع، بل هو شعور عميق يسكن وجدان كل عراقي غيور، يستحضر مواقف الدعم التي لم تبخل بها إيران في أحلك الظروف التي مرّ بها العراق. حينما كان خطر الجماعات التكفيرية الظلامية يهدد وجود الدولة العراقية، ويكاد يطيح بهوية الشعب ومستقبله، لم تكن المواقف تُقاس بالحسابات السياسية الضيقة، بل كانت تُترجم إلى دماءٍ سالت على أرض العراق دفاعًا عنه.

ذلك التاريخ القريب ما زال حيًا في ذاكرة العراقيين، يوم وقف الأشقاء إلى جانبهم في معركة الوجود، يوم كان الخطر داهمًا والخيارات محدودة، فكان الحضور الإيراني واضحًا كوضوح الشمس، لا يحتاج إلى تبرير أو تفسير. ومن بين تلك المواقف الخالدة، سُطرت تضحيات جسام، امتزجت فيها الدماء على أرض العراق، وكان من أبرزها دم الجنرال الكبير الحاج قاسم سليماني، الذي لم يكن وجوده في العراق إلا تعبيرًا عن التزامٍ عميق بالدفاع عن الحق ومواجهة الإرهاب.

واليوم، وفي مشهد يعكس أصالة الشعب العراقي، تتجدد معاني الوفاء بصورة عملية وإنسانية. إذ هبّ العراقيون، كبارًا وصغارًا، استجابةً لنداء المرجعية العليا، للتبرع ومساندة الشعب الإيراني في ظل ما يتعرض له من ظروف صعبة وعدوان مستمر. ولم تكن هذه الاستجابة شكلية أو محدودة، بل جاءت من القلب، مدفوعةً بإحساسٍ صادق بالمسؤولية تجاه من وقف معهم يوم احتاجوا إلى من يسندهم.

اللافت في هذا المشهد أن بعض العراقيين لم يكتفوا بالتبرع من أماكنهم، بل حملوا ما جادت به أيديهم، وانطلقوا بسياراتهم إلى إيران، في صورة تجسد أعلى معاني التضامن الإنساني والأخوي. إنها ليست مجرد مساعدات مادية، بل رسائل وفاء تُكتب بالفعل، وتؤكد أن الشعوب الحية لا تنسى من وقف معها في المحن.

وقد لعبت العتبة الحسينية المقدسة دورًا محوريًا في تنظيم هذه الجهود، من خلال توليها مهمة جمع التبرعات وتوجيهها، بما يعكس مكانتها ليس فقط كرمز ديني، بل كمنارة إنسانية تُحرك الضمير الجمعي نحو التكافل والتراحم. هذا الدور يعكس عمق الارتباط بين القيم الدينية والعمل الإنساني، ويؤكد أن المرجعية لم تكن يومًا بعيدة عن هموم الناس، بل كانت دائمًا في صميم الموقف.

إن ما يجري اليوم يعيد إلى الأذهان مشهد عام 2014، حين تُرك العراق وحيدًا في مواجهة الإرهاب، وتخلى عنه القريب قبل البعيد، ليكاد يسقط فريسة لقوى الظلام. لكن في تلك اللحظة المفصلية، كان هناك من اختار أن يقف إلى جانب العراق، لا بالكلام بل بالفعل، فكان لذلك الموقف أثره الكبير في تغيير مسار الأحداث.

واليوم، يرد العراق الجميل، ليس من باب المجاملة أو المجاراة، بل انطلاقًا من مبدأ أخلاقي وإنساني عميق: من يقف معك في الشدّة، تقف معه حين يحتاجك. إنها معادلة بسيطة، لكنها في عالم السياسة والمصالح أصبحت نادرة، إلا لدى الشعوب التي ما زالت تحتفظ بقيمها الأصيلة.

في النهاية، يمكن القول إن ما يقوم به العراقيون اليوم هو أكثر من مجرد تضامن؛ إنه تأكيد على أن الروابط بين الشعوب لا تُبنى فقط على المصالح، بل على المواقف الصادقة والتضحيات المشتركة. وهذا ما يجعل من هذه اللحظة شاهدًا حيًا على أن الوفاء لا يموت، وأن الشعوب التي تحفظ العهد، تكتب تاريخها بكرامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *