في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع النيران مع الحسابات الكبرى، يطفو على السطح مشهد سياسي لا يخلو من مفارقات صارخة، بل يصل حدّ ما يمكن تسميته بـ”العهر السياسي” في العلاقات الدولية. فبدلاً من مقاربة متوازنة للأزمة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والكيان الغاصب من جهة أخرى، نشهد محاولة حثيثة لإعادة صياغة الرواية: تحويل إيران من دولة تعرّضت لاعتداءات، إلى دولة معتدية تهدّد الأمن الإقليمي.
هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، بل جرى تكريسه عبر مسار “الأمننة” داخل المؤسسات الدولية، حيث سعت بعض دول الخليج، وعلى رأسها البحرين والإمارات، إلى دفع الملف الإيراني إلى أروقة مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان، مقدّمةً سردية أحادية تختزل الأزمة في ردود الفعل الإيرانية بسعيها للدفاع عن حرمة أراضيها ، وتتجاهل جذورها وسياقاتها.
وفقاً لنظرية الأمننة في العلاقات الدولية، فإن تحويل قضية ما إلى “تهديد أمني” يفتح الباب أمام إجراءات استثنائية، ويمنح شرعية سياسية لتحركات قد لا تكون مبررة في الظروف العادية. وهذا بالضبط ما يحدث اليوم: تصوير إيران كخطر داهم، دون التوقف ملياً عند السؤال الأساسي—من بدأ؟ ومن أطلق شرارة المواجهة؟ ومن المعتدي الحقيقي ؟ ومن يساعده ؟
إيران، من جهتها، تستند إلى مبدأ “حق الدفاع عن النفس” المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، معتبرة أن عملياتها جاءت رداً على هجمات أميركية وإسرائيلية مباشرة أو غير مباشرة. ومن منظور القانون الدولي، فإن أي تقييم موضوعي يقتضي النظر في تسلسل الأحداث، لا الاقتصار على نتائجها. غير أن ما جرى في أروقة مجلس الأمن يعكس انتقائية واضحة، حيث صدرت إدانات لإيران دون الإشارة إلى الاعتداءات الأولية التي تقول طهران إنها تعرّضت لها.
هنا تحديداً تتجلى الإشكالية: كيف تتحول الضحية إلى متهم؟ وكيف يُعاد رسم المشهد بحيث يُمحى الفعل الأول، ويُدان الرد فقط؟
الأكثر إثارة للجدل هو الدور الذي تلعبه بعض دول الخليج في هذا السياق. فما الذي ستجنيه هذه الدول، وخصوصاً البحرين والإمارات، من استهداف إيران سياسياً وأمنياً؟ الواقع يشير إلى أن المكاسب المباشرة شبه معدومة، إن لم تكن معدومة بالكامل. بل إن ما يبدو جلياً هو انخراط في سياسة تقديم الخدمات للقوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وبالتوازي مع ذلك، الانخراط في ترتيبات إقليمية تخدم المصالح الإسرائيلية.
لقد فتحت هذه الدول أراضيها ومرافئها أمام الوجود العسكري الأجنبي، وقدّمت كافة أنواع الدعم والتسهيلات في سياقات مختلفة، ما جعلها، بشكل أو بآخر، جزءاً من بنية العمليات التي تستهدف دولاً في المنطقة، وفي مقدمتها إيران. لكن المفارقة الكبرى تظهر عندما تتحول هذه الدول إلى موقع “الضحية” فور ردّ إيران على مصادر النيران، في مشهد يعكس ازدواجية يصعب تبريرها قانونياً أو سياسياً.
ولا يمكن فصل هذا السلوك عن بُعد آخر أكثر عمقاً: الصراع على السردية أمام الشعوب. فإيران، سواء اتُفق أو اختلف معها، تقدّم نفسها كداعم لقضايا “المستضعفين”، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. وهنا تكمن حساسية الموقف بالنسبة لبعض الأنظمة العربية، التي تجد نفسها في موقع حرج أمام شعوبها.
في الوقت الذي شهد فيه قطاع غزة سقوط عشرات آلاف الضحايا ودماراً هائلاً، لم تُظهر بعض هذه الدول موقفاً يتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية. لم تتحول هذه المأساة إلى أولوية سياسية أو إعلامية لديها أو ملف يقطر دما يجب أن يحمل إلى مجلس الأمن ، بقدر ما تحوّلت الصواريخ والمسيرات المتجهة نحو الأراضي المحتلة إلى مصدر قلق يستدعي التحرك العاجل لاحتوائه، بل وحتى التصدي له.
هذا التباين يطرح تساؤلات جوهرية: لماذا يُغضّ الطرف عن المأساة الإنسانية في غزة، بينما تُستنفَر الجهود لمواجهة ردود الفعل عليها؟ ولماذا يُعاد توصيف الفاعلين بطريقة تقلب المعايير رأساً على عقب؟
إن تحويل إيران إلى “ملف أمني” في المؤسسات الدولية، بمعزل عن سياق الصراع، لا يساهم في حل الأزمة، بل يزيدها تعقيداً. فهو يعمّق الاستقطاب، ويغلق أبواب الحوار، ويدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.
ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس المزيد من الأمننة الانتقائية، بل مقاربة شاملة تعيد الاعتبار لمبادئ القانون الدولي، وفي مقدمتها العدالة والحياد. أما الاستمرار في لعبة قلب الأدوار—حيث يُدان الرد ويُتجاهل الفعل—فلن يؤدي إلا إلى ترسيخ واقع مضطرب، تكون كلفته على الجميع، دون استثناء.


