إن ما يحدث اليوم في المنطقة لا يبدو أنه مجرد تصعيد عابر، بل هو في جوهره نتيجة مشروع استراتيجي طويل بدأ منذ صعود الإمام الخميني(قدس سره) عام 1979، مشروع بُني على هدف واضح: كسر الهيمنة الأمريكية الإسرائيلية، ولكن على الطريقة الإيرانية (الصبر، التراكم، وإدارة الزمن).
منذ اللحظة الأولى للثورة، كان الخطاب الإيراني يعتمد على أهداف واضحة وهي التأسيس لعقيدة واضحة: إظهار العداء للولايات المتحدة عبر اقتحام السفارة الأمريكية في طهران التي اعتُبرت المنعطف الأكبر في تاريخ الثورة الإسلامية في إيران ، ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية، حيث أدركت إيران أن مواجهة القوى ليست سهلة ، بل تحتاج إلى تحضير طويل الأمد ، الأمر الذي دفعها الى البحث عن مسارات بديلة لبناء قوة لا تُكسر بالحرب المباشرة.
بعد الحرب، تحولت ايران نحو استراتيجية أكثر تعقيدًا تقوم على التمدد غير المباشر، حيث عملت على بناء شبكة نفوذ كبيرة في المنطقة، فدعمت حزب الله لاستنزاف إسرائيل بطريقة غير مباشرة ، واستثمرت التحولات التي حدثت في العراق بعد 2003 لتوسيع حضورها، وبذلك امتدت أذرع ايران لجبهات متعددة تُربك الخصم وتستنزفه على المدى الطويل.
مع وصول محمود أحمدي نجاد إلى السلطة، أصبح لزاما على إظهار جزء من المشروع الى العلن عبر الملف النووي، حيث لم يكن الإعلان عن التخصيب خطوة مفاجئة، بل كان إشارة محسوبة إلى أن إيران باتت تقترب من امتلاك أدوات قوة نوعية، وقد ترافق ذلك مع خطاب تحدٍ مباشر للمجتمع الدولي، ما كشف أن الهدف لم يكن فقط تطوير برنامج نووي، بل فرض إيران كفاعل لا يمكن تجاوزه في معادلات القوة الدولية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مساحة غموض مقصودة حول قدراتها الحقيقية.
ثم جاءت مرحلة التفاوض، التي بلغت أشدها في الاتفاق النووي عام 2015، والتي قد تبدو ظاهريًا كتنازل، لكنها في حقيقتها كانت إعادة تموضع ذكية، إذ استخدمت إيران الاتفاق لكسب الوقت وتخفيف الضغوط مع الاستمرار في تطوير بنيتها التقنية، وعندما انسحب دونالد ترامب من الاتفاق في 2018، لم تجد إيران نفسها أمام انهيار، بل أمام فرصة للعودة إلى التصعيد بسرعة، وهو ما يكشف أن التفاوض لم يكن هدفًا بحد ذاته، بل أداة ضمن استراتيجية أوسع لإدارة الصراع.
اليوم، ومع ارتفاع نسب التخصيب وتطور القدرات الصاروخية وتكثيف استخدام الطائرات المسيّرة، إلى جانب شبكة النفوذ الإقليمي التي باتت قادرة على تحريك أكثر من ساحة في وقت واحد، تبدأ مرحلة جديدة للمضي نحو مشروع (ايران العظمى) وتبين للعالم أنها ليست مجرد دولة تسعى للصمود والدفاع بل انتقلت من مرحلة الصمود الى مرحلة فرض التوازن
كل تلك الأحداث لم تكن بالصدفة، بل هي سلسلة من الخطوات الصعبة التي بتشخيص العدو ثم بناء الادوات اللازمة للصمود، تليها لحضة الاقتراب من القدرة الردعية المتكاملة
لكن السؤال هنا: لماذا في هذا التوقيت؟
الجواب واضح وجلي: القدرة الأمريكية الآن تراجعت بشكل ملحوظ بعد هيمنة الصين على الاقتصاد العالمي وانتزاعه من امريكا ، وهذه الظروف توفر لإيران فرصة ذهبية خصوصًا وأن علاقاتها مع الصين قوية، مما يجعل هذا التوقيت الأوفر حظًا لتنفيذ مشروعها الاستراتيجي
إن ما يحدث اليوم ليس بداية مشروع، بل ذروته، وليس مفاجأة في مسار الأحداث، بل نتيجة منطقية لمسار بدأ قبل أكثر من أربعة عقود، والسؤال لم يعد ما إذا كانت إيران قد وصلت إلى هذه القدرة، بل متى ستختار أن تكشف عنها بالكامل، وكيف سيُعاد تشكيل ميزان القوى في المنطقة بعد ذلك.


