ولازالت الثورة مستمرة

ولازالت الثورة مستمرة
أثبتت إيران أن معادلة القوة لم تعد تقاس بالسلاح وحده، بل بالإرادة والعقيدة. مواجهة الإمبراطورية الأميركية بحكمة وصمود كرّست مفهوماً جديداً للتكافؤ وأجبرت واشنطن على طلب التفاوض...

للأمانة، إنها من المقالات التي أخذت مني وقتًا طويلًا في عنونتها قبل كتابتها، لأننا ببساطة لم نكن يومًا أمام مشهد كهذا؛ مشهد سريالي، غريب، عصيّ على الفهم بلغة المنطق والأرقام. كيف يمكن لعقلٍ أن يستوعب مواجهة غير متكافئة في كل المقاييس، ثم يخرج منها بانطباعٍ معاكس تمامًا؟ كيف لنا، نحن وغالبية سكان الكرة الأرضية، أن نفسّر هذا الصدام بين قوةٍ تُصنَّف منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، كقطبٍ أوحد يحكم العالم، وبين دولةٍ محاصرة منذ أكثر من خمسة عقود؟

الولايات المتحدة الأميركية، “العم سام”، التي توّجت نفسها حاكمًا أوحدًا للعالم، وبايعتها غالبية الدول كمرجعٍ عسكري وسياسي أول، تمتلك من أدوات القوة ما يجعل أي مقارنة معها ضربًا من العبث: ترسانة عسكرية هائلة، صواريخ متطورة، حاملات طائرات تجوب البحار، قاذفات عابرة للقارات، غواصات نووية، ونفوذ يمتد على طول الجغرافيا الدولية. إلى جانب ذلك، قدرات اقتصادية وصناعية وزراعية تجعلها قارةً قائمة بذاتها، فضلًا عن كونها الرافعة الأساسية لحلفائها في الحربين العالميتين الأولى والثانية، وسجلّ حافل بحروبٍ خاضتها في فيتنام والعراق وأفغانستان ولبنان والصومال وليبيا وبنما واليابان وغيرها.

نعم، قد تكون خرجت من هذه الدول لاحقًا تحت ضغط المقاومة، لكن الحقيقة الثابتة أنها دخلت واحتلت، فرضت إرادتها، ثم انسحبت عندما تغيّرت موازين الكلفة. هذا هو النموذج الأميركي التقليدي في الحروب. لكن ما نحن أمامه اليوم ليس نسخة مكررة من ذلك التاريخ، بل هو نموذج مختلف تمامًا، قد يكون الأول من نوعه عالميًا.

إنه النموذج الذي كرّسته ثورة الإمام روح الله الخميني في إيران؛ نموذج شعبٍ عقائدي، آمن بفكرة، وتشبّع بها حتى تحوّلت إلى طاقةٍ لا تُقهر. هذا الشعب الذي أذهل العالم بكل ما فعله، من حضوره في الميادين إلى تحدّيه الضربات الغادرة، لم يكن يقاتل بسلاحٍ فقط، بل بعقيدةٍ راسخة جعلت من كل فردٍ فيه جنديًا في معركة الكرامة.

في هذه المواجهة، لم تكن الولايات المتحدة وحدها. فقد شاركها الكيان الإسرائيلي تفكيرًا وتخطيطًا وتنفيذًا وعدوانًا، بل كان له اليد الطولى في إشعال هذه الحرب. وهذا الكيان، الذي خبرناه عبر التاريخ، ليس كيانًا عاديًا؛ هو كيان أدّب – بمعاييره وأحتل أجزاءمن– دولًا كبرى كـمصر وسوريا والأردن، وقصف مفاعل تموز العراقي، وطرد منظمة التحرير من لبنان وقام بإحتلاله، قبل أن يصطدم لاحقًا بنموذجٍ جديد من المقاتلين في لبنان، أولئك الذين تربّوا في مدرسةٍ مختلفة، مدرسة الحسين بن علي.

لكن، وعلى الرغم من هذا التاريخ، وجد هذا الكيان نفسه أمام خصمٍ لم يعهده. أمام شعبٍ لا ينكسر، ولا يستسلم، ولا يفاوض من موقع الضعف. والأكثر إدهاشًا، أن هذا الشعب، رغم استشهاد مرشده الأعلى وجزءٍ كبير من قادته، لم يهن، لم يحزن، لم يتراجع. بل وقف أكثر صلابة، أكثر تماسكًا، شعبًا وجيشًا وحرسًا ثوريًا وقيادة.

وفي قلب العاصفة، برزت القيادة الجديدة التي تسلّمت دفة الحكم، لتقود السفينة وسط أمواجٍ عاتية، بحكمة البحّار الخبير، ووعي القائد، وجرأة المقاتل. لم يكن الأمر مجرد صمود، بل تحوّل إلى هجوم، إلى مبادرة، إلى قلبٍ للمعادلة التي طالما حكمت الحروب.

وبعد ما يقارب شهرًا من القتال، حدث ما لم يكن في الحسبان: تحوّل المشهد، وبدأت الولايات المتحدة، ممثلةً برئيسها، تستجدي التفاوض. هنا تتجلّى المفارقة الكبرى؛ دولةٌ إقليمية محاصرة، ممنوع عنها كل شيء، تواجه أعظم قوة في العالم، فتجبرها على طلب التفاوض.

بل والأعجب من ذلك، أن إيران لم تكتفِ بقبول المبدأ، بل اختارت اسم المفاوض الأميركي، وكأنها تقول للعالم إن معايير القوة لم تعد كما كانت. إن التكافؤ لم يعد يُقاس بالأرقام فقط، بل بالإرادة، بالعقيدة، بالصبر، وبالقدرة على تحويل الألم إلى قوة.

لقد زلزلت هذه المواجهة الأرض تحت أقدام الولايات المتحدة وإسرائيل، وأدخلت الرعب إلى قلوب كثير من حكام المنطقة، الذين أدركوا أن معادلاتهم القديمة لم تعد صالحة. وفي المقابل، أدخلت البهجة والسرور إلى قلوب شعوبٍ عربية وإسلامية طالما حلمت برؤية هذا المشهد: مشهد الكيان وهو يُذل، والقوة العظمى وهي تُجبر على التراجع.

هنا، فقط، يمكن أن نفهم معنى “التكافؤ بين المتحاربين”. ليس تكافؤ السلاح، ولا العتاد، ولا الاقتصاد، بل تكافؤ الإرادة. أن تقف دولةٌ محاصرة في وجه إمبراطورية، فلا تنكسر، بل تُجبرها على إعادة الحسابات.

لكم، أيها الصامدون، كل التحية والمحبة والإحترام. أنتم لم تغيّروا فقط مسار معركة، بل غيّرتم مفهوم القوة في هذا العالم. أنتم أثبتم أن الشعوب، عندما تؤمن، تستطيع أن تكون ندًّا حتى لأعتى الإمبراطوريات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *